الصفحة 13 من 17

السادس: أنا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة، سواء على الترتيب، وهي كفارة الظاهر، وحكم النظير حكم نظيره. ولا ريب أن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل، أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين. ورجح الإمام الحافظ ابن حجر الترتيب فقال [1] ويترجح الترتيب أيضا، بأنه أحوط، لأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتخيير أو لا بخلاف العكس.

لكل ما سبق رجحت رأي القائلين بأن كفارة الصيام على الترتيب -والله أعلم بالصواب-.

المطلب الثاني

العتق في كفارة الصيام [2]

اختلف الفقهاء في صفة الرقبة التي تجزئ في كفارة الصيام على رأيين:

الرأي الأول:

ذهب الأحناف والظاهرية إلى أن الرقبة الكافرة تجزي في كفارة الظهار واليمين والإفطار [3] .

وحجة هؤلاء: عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-"اعتق رقبة"، فلو كان شيء من الرقاب التي تعتق لا تجزئ في ذلك لبينة عليه السلام، ولما أهمله حتى يبينه له غيره [4] ، وظاهر قوله تعالى: (والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) [5] ليس فيه ما ينبئ عن صفة الإيمان والكفر، فالتقييد بغير دليل مردود.

الرأي الثاني:

ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة [6] .

ودليل هذا:

1 -قوله تعالى [7] : (ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ) ولا خبث أشد من الكفر.

2 -وقد أخرج مسلم والنسائي أن معاوية بن الحكم قال: كانت لي جارية فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: على رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"من أنا"؟ فقالت: أنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال -صلى الله عليه وسلم-:"اعتقها فإنها مؤمنة" [8] .

ووجه الاستدلال بالحديث هو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يستفصله عن نوع الكفارة التي يريد العتق عنها، فدل عدم الاستفصال على أن كل كفارة لا يجزئ عنها إلا رقبة عنها، فدل عدم الاستفصال على أن كل كفارة لا يجزئ عنها إلا رقبة مؤمنة، ولأن المقرر في مباحث الألفاظ أن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في الأقوال [9] .

3 -ورد النص على الرقبة المؤمنة في كفارة القتل، وما عدا كفارة القتل فبالقياس عليها [10] .

ناقش المخلفون للرأي الثاني أدلتهم فقالوا:

1 -لا حجة لهم في الآية، لأن الكفر خبث من حيث الاعتقاد. والمصروف إلى الكفارة ليس هو الاعتقاد، إنما المصروف إلى الكفارة المالية ومن حيث المالية هو عيب يسير على شرف الزوال [11] .

2 -وأما الحديث فقد ذكر ف بعض الروايات أن الرجل قال على عتق رقبة مؤمنة، أو عرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بطريق الوحي أن عليه رقبة مؤمنة، فلهذا امتحنها بالإيمان [12] .

3 -وأما القياس فقال ابن حزم [13] : (كله باطل، ثم لو كان تحقا لكان هذا منه باطلا، لأن مالكا لا يقيس حكم قاتل العمد على حكم قاتل الخطأ في الكفارة، فإذا لم يقس قاتلا على قاتل فقياس الواطئ على القاتل أولى بالبطلان أن كان القياس حقا؟

والشافعي لا يقيس المفطر بالأكل على المفطر بالوطء في الكفارة. فإذا لم يقس مفطرا على مفطر، فقياس المفطر على القاتل أولى بالبطلان، أن كان القياس حقا؟

وأيضا: فإنه لا خلاف في أن كفارة الوطء في رمضان يعوض فيها الإطعام من الصيام ولا يعوض الإطعام من الصيام في كفارة قتل الخطأ. فقد صح إجماعهم على أن حكم كفارة الواطئ مخالف لحكم كفارة القاتل، فبطل بهذا قياس إحداهما على الأخرى.

وناقش المخالفون للأحناف قولهم بالإطلاق بأن المطلق يحمل على المقيد في كفارة القتل والوارد فيها وصف الرقبة لمعتقة بالإيمان.

الرأي الراجح:

بعد العرض السابق يتبين لنا أن رأي الجمهور باشتراط الإيمان في الرقبة المعتقة هو الراجح لقوة أدلتهم، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-"اعتقها فإنها مؤمنة"ولاتفاق هذا الرأي مع الحكمة التي من أجلها شرع الله العتق، ولأن إعتاق الرقبة المؤمنة أفضل من إعتاق الرقبة الكافرة في جميع الأحوال -والله أعلم بالصواب-.

المطلب الثالث

الصيام في كفارة المجامع في رمضان

(1) انظر: فتح الباري 4/ 168.

(2) اختصرت الكلام هنا لأن الإسلام بحمد الله وتوفيقه قضى على الرق ولم يبق4 له أثر الآن.

(3) انظر: المبسوط 7/ 2 - 3، المحلى بالآثار 4/ 328.

(4) انظر: المحلى بالآثار 4/ 328.

(5) سورة المجادلة الآية 3.

(6) انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 3/ 187، كشاف القناع 5/ 379.

(7) البقرة الآية 267

(8) صحيح مسلم 1/ 382 سلسلة الكتب الستة، دار الدعوة.

(9) مواهب الجليل من أدلة خليل 3/ 188.

(10) انظر: كشاف القناع 5/ 379.

(11) انظر: المبسوط 7/ 4.

(12) انظر: المرجع السابق.

(13) انظر: المحلى بالآثار 4/ 319.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت