1 -حديث أبي هريرة السابق رواه معمر ويونس والأوزاعي والليث، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، وعراك بن مالك، وإسماعيل بن أمية، ومحمد بن أبي عتيق وغيرهم عن الزهري عن حميد ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا قال: للواقع على أهله"هل تجد رقبة تعتقها؟"قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا.
فظاهر لفظ الحديث يوجب أنها على الترتيب [1] .
2 -ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين، فكانت على الترتيب ككفارة الظهار والقتل [2] .
ثانيا- أدلة الرأي الثاني:
1 -روى مالك وابن جريح عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة:"أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا" [3] .
أو حرف تخيير، وظاهر هذه الرواية يقتضي التخيير لأن (أو) في مثل هذا إنما للمساواة بين الأشياء، فيما تناولته من حظر، أو إباحة أو جزاء، أو غير ذلك من الأحكام، ولا يجوز أن تكون للشك ههنا، لأنه لا خلاف أنه لم يأمر بواحد من ذلك فيشك فيه الراوي، بل الإجماع منعقد على أنه قد أمر بجميعها، وإنما اختلف العلماء في صفة أمره بها [4] .
2 -ولأنها تجب بالمخالفة، فكانت على التخيير ككفارة اليمين [5] .
مناقشة أدلة المالكية ومن معهم:
1 -نوقش الدليل الأول بأن رواية الدليل الأول أولى من رواية مالك، لأن أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا سوى مالك وابن جريح فيما عملنا. واحتمال الغلظ فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه، ولأن الترتيب زيادة، والأخذ بالزيادة متعين.
ولأن حديث الرأي الأول لفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- وحديثهم لفظ الراوي، ويحتمل أنه رواه (بأو) لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء [6] .
ويحتمل أن هؤلاء اختصروا الحديث وأتوا بألفاظهم، أو بلفظ من دون النبي -صلى الله عليه وسلم- [7] .
وإذا رجعنا إلى المقارنة بين الرأي الأول وبين رواية الموطأ وجدنا أن الروايتين مروية عن الزهري، ألا أن الذين رووه عن الزهري أكثر ممن روى التخيير [8] .
2 -وأما استحباب مالك الابتداء بالطعام فمخالف لظواهر الآثار، وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس، لأنه رأي الصيام قد وقع بدله الإطعام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره بدليل قراءة من قرأ- وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين- ولذلك استحب هو وجماعة من العلماء لمن مات وعليه صوم أن يكفر بالإطعام عنه، وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول [9] .
ورد ابن قدامه أيضا استحباب مالك الابتداء بالإطعام فقال [10] : (وهذا القول ليس بشيء، لمخالفته الحديث الصحيح، مع أنه ليس له أصل يعتمد عليه، ولا شيء يستند إليه، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن تتبع.
3 -ونوقش القياس على كفارة الأيمان بأنه قياس مع الفارق لاشتراط التتابع من كفارة الصيام والظهار والقتل دون كفارة اليمين [11] .
الترجيح:
بعد أن ذكرت الرأيين السابقين، وأدلتهما، وما ورد على أدلة الرأي الثاني من مناقشات يبدو لي أن حجة من يرى الترتيب أرجح بالدليل. ورواية الترتيب المصرحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه [12] :
أحدهما: أن رواتها أكثر، وإذا قدر التعارض رجحنا برواية لأكثر اتفاقا.
الثاني: أن رواتها حكوا القصة، وساقوا ذكر المفطر وأنه الجماع، وحكوا لفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر؟ ولا حكوا أن ذلك لفظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا من لفظ صاحب القصة، فكيف تقدم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الترتيب.
الثالث: أن هذا صريح، وقوله:"أفطر"مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر، وقد فسرته الرواية الأخرى بأن فطره كان بجماع، فتعين الأخذ به.
الرابع: أن حرف"أو"وإن كان ظاهرا في التخيير، فليس بنص فيه، وقوله"هل تستطيع كذا؟"صريح في الترتيب.
الخامس: أن الأخذ بحديث الترتيب متضمن العمل بالحديث الآخر، لأنه يفسره ويبين المراد منه، والعمل بحديث التخيير لا يتضمن العمل بحديث الترتيب، ولا ريب أن العمل بالنصين أولى.
(1) انظر: المغني 3/ 128.
(2) انظر: المرجع السابق.
(3) انظر: الموطأ مع شرح الزرقاني 2/ 171 - 172. دار الفكر للنشر والتوزيع.
(4) انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 2/ 42.
(5) انظر: المغني 3/ 127.
(6) انظر: المغني 3/ 128.
(7) انظر: المحلى بالآثار 4/ 328.
(8) انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 2/ 43.
(9) انظر: بداية المجتهد 1/ 305.
(10) انظر: المغني 3/ 127.
(11) انظر: بداية المجتهد 1/ 305، مواهب الجليل من أدلة خليل 2/ 44.
(12) انظر: تهذيب ابن قيم الجوزية مع المختصر 3/ 272.