والكفارة: في عرف الشرع اسم للواجب المحدد في النص، قال أبو هريرة: بينما نحن جلوس عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال:"مالك"قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هل تجد رقبة تعتقها؟"، قال: لا، قال:"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟"قال: لا. قال:"هل تجد إطعام ستين مسكينا؟"قال: لا. قال:"اجلس"ومكث النبي -صلى الله عليه وسلم- فبينا نحن على ذلك، أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرق فيه تمر- والعراق المكتل الضخم- قال:"أين السائل؟"، قال: أنا. قال:"خذ هذا فتصدق به"فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله، ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر مني أهل بيتي. فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت أنيابه، ثم قال:"أطعمه أهلك". متفق عليه [1] ."
فأنواعها:
ثلاثة: عتق رقبة مؤمنة عند الجمهور سليمة من العيوب ليس فيها عقد من عقود الحرية ولا يكون عتقها مستحقا بجهة أخرى، فإن لم يجد الرقبة ولا ثمنها فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطيع فإطعام ستين مسكينا [2] .
وتفصيل الأنواع الثلاثة يأتي بيانه:
حكمها:
واجبة، ودليل ذلك حديث أبي هريرة السابق، والذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- المجامع فيه بالإعتاق، ثم بالصوم، ثم الإطعام، ومطلق الأمر محمول على الوجوب [3] .
حكمه هذه الخصال من المناسبة:
أن من انتهك حركة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صح أن من أعتق رقبة اعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار.
وأما الصيام فمناسبته ظاهرة، لأنه كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه يوما كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع، فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده.
وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين. ثم إن هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حق الله وهو الصوم، وحق الأحرار بالإطعام، وحق الأرقاء بالإعتاق، وحق الجاني بثواب الامتثال [4] .
وللكفارة أحكام نوضحها من خلال المطالب الآيتة:
المطلب الأولى
هل الكفارة على التراتيب أو على التخيير:
المراد بالترتيب: أن لا ينتقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة إلا بعد العجز عن الذي قبله. والمراد بالتخيير: أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز عن الآخر [5] .
وللفقهاء في الموضوع رأيان:
الرأي الأول:
كفارة الوطء في رمضان ككفارة الظهار في الترتيب، يلزمه العتق أن أمكنه، فإن عجز عنه أتنقل إلى الصيام، فإن عجز أتنقل إلى إطعام ستين مسكينا وهذا قول جمهور العلماء: أصحاب الرأي، والشافعي، ومشهور مذهب الحنابلة، والثوري والأوزاعي، والظاهرية [6] .
الرأي الثاني:
أنها على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيها كفر أجزأه، وبهذا قال مالك، وأحمد في رواية أخرى.
وروى ابن القاسم عن مالك أنه يستحب الإطعام أكثر من العتق ومن الصيام، وجرى على هذا العراقيون.
ووجه ذلك: أن الإطعام أعم نفعا، لأنه يحيي به جماعة لاسيما في أوقات الشدائد والمجاعات [7] .
سبب اختلاف الفقهاء:
يرى ابن رشد أن سبب اختلاف الفقهاء في وجوب الترتيب تعارض ظواهر الآثار في ذلك والأقيسة، وذلك أن ظاهر حديث الأعرابي المتقدم يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستطاعة عليها مرتبا، وظاهر ما رواه مالك من"أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا"أنها على التخيير، إذ أو إنما تقتضي في لسان العرب التخيير، وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب، إذ كانوا هم أقعد بمفهوم الأحوال ودلالات الأقوال. وأما الأقيسة المعارضة في ذلك فتشبيهها تارة بكفارة الظهار وتارة بكفارة اليمين، لكنها أشبه بكفارة الظهار منها بكفارة اليمين، وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي [8] .
الأدلة
أولا- أدلة الرأي الأول:
(1) انظر: مشكاة المصابيح 1/ 623 - 624.
(2) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي ص83، دار القلم، بيروت.
(3) انظر: البدائع 5/ 95 - 96، التشريع الجنائي الإسلامي 1/ 683 - 684
(4) انظر: فتح الباري 4/ 166.
(5) انظر: بذلك المجهود 11/ 218.
(6) انظر: الهداية مع شرح فتح القدير 2/ 265، المجموع 6/ 333، كشاف القناع للبهوتي 2/ 327. عالم الكتب، بيروت، المحلى بالآثار 4/ 328.
(7) انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 2/ 43، المغني 3/ 127.
(8) انظر: بداية المجتهد 1/ 305.