الصفحة 10 من 17

2 -ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص والنص ورد في الجماع، والأكل والشرب ليس في معناه، لأن الجماع أشد حرمة منهما حتى يتعلق به وجوب الحد دونهما، فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردا في الأكل والشرب، فيقتصر على مورد النص [1] .

مناقشة أدلة الرأي الأول:

1 -ناقش الشافعية الحديث من وجهين [2] :

أحدهما: أنه ضعيف، لأن الرواية الأولى مرسلة والثانية فيها ليث ابن أبي سليم وهو ضعيف.

والثاني: جواب البيهقي أن هذا اختصار وقع من هشيم، فقد رواه أكثر أصحاب ليث عنه عن مجاهد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مفسرا في قصته الذي وقع على امرأته في نهار رمضان قال البيهقي وهكذا كل حديث روى في هذا الباب مطلقا من وجه، فقد روى من وجه آخر مفسرا بأنه في قصة الواقع على امرأته، قال ولا يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفطر بالأكل شيء هذا كلام البيهقي والله أعلم.

2 -وأما الاستدلال بالمواقعة والقياس عليها، فهو استدلال مردود، لأن الشرع لم يوجب الكفارة إلا في الجماع، وما سواه ليس في معناه، لأن الجماع أغلظ ولهذا يجب به الحد في ملك الغير، ولا يجب فيما سواه فبقى على الأصل [3] .

الترجيح:

بعد أن ذكرت آراء الفقهاء في الموضوع، وسبب الخلاف، وأدلة الرأيين، وما ورد على أدلة الرأي الأول من مناقشات، أميل إلى ترجيح رأي القائلين بأن من تعمد الإفطار بالأكل والشرب لا تلزمه كفارة وإنما يجب عليه القضاء، لقوة أدلتهم، وسلامتها من المناقشة.

ولأن الشنقيطي المالكي بعد أن أشار إلى الخلاف في الموضوع قال [4] : غير أن الدليل إلى جانب من أوجبها بالإيلاج فقط، لورود النص فيه دون غيره. ولأن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أتى برجل نشوان في رمضان، فضربه الحد وسيره إلى الشام، قالوا: وكان عمر إذا غضب على أحد سيره إلى الشام. فلو أن الكفارة تلزم بغير الجماع في رمضان لألزمه عمر ذلك. وهذا الأثر أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا بلفظ: وقال عمر لنشوان في رمضان: ويلك، وصبياننا صيام؟ فضربه.

لكن ما سبق رجحت الرأي الثاني -والله أعلم بالصواب-.

المبحث الرابع

هل تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان؟

اتفق الجمهور على أنه ليس في الفطر عمدا في قضاء رمضان كفارة، لأنه ليس له حرمة زمان الأداء: أي أداء رمضان، إلا قتادة فإنه أوجب عليه القضاء والكفارة [5] . وبين الحنفية مذهب الجمهور فقالوا [6] : وليس في إفساد صوم غير رمضان كفارة، لأن الكفارة في إفطار صومه وجبت بالنص على خلاف القياس فلا قياس وليس غيره في معناه. ولأن الإفطار في رمضان أبلغ في الجناية لكونها جناية على الصوم والشهر جميعا، وغيره جناية على الصوم وحده، لأن الوقت غير متعين لذلك فلا يلحق به غيره [7] .

واستدل قتادة على ما قال به بأنه عبادة تجب الكفارة في أدائها، فوجبت في قضائها كالحج. وهذا مردود، لأن القضاء يفارق الأداء، لأنه متعين بزمان محترم، فالجماع فيه هتك له بخلاف القضاء [8] .

وروى عن ابن القاسم، وابن وهب من المالكية أن من أفطر عمدا في قضاء رمضان عليه يومين قياسا على الحج الفاسد [9] .

وهذا أيضا مردود. للخلاف بين المقيس والمقيس عليه، فلزوم الكفارة بإفساد الحج النفل والقضاء بالجماع ليس إلحاقا بإفساد الحج الفرض بل هو ثابت ابتداء بعموم نص القضاء والإجماع [10] .

وأيضا الكفارة في الحج يستوي فيها الفرض والنفل، لأن وجوبها لحرمة العبادة وهما فيها سواء [11] .

الترجيح:

بعد العرض السابق يتبين لي أن رأي القائلين بأن الفطر عمدا في قضاء رمضان وغيره ليس فيه كفارة هو الراجح لقوة دليله، ولأن إفساد صوم غير رمضان ليس في معنى إفساد صوم رمضان من كل وجه، بل ذاك أبلغ في الجناية لوقوعه في شرف الزمان [12] -والله أعلم بالصواب-

المبحث الخامس

في كفارة الصوم وما يتعلق بها من الأحكام

(1) انظر: بذلك المجهود 11/ 214 - 215

(2) انظر: المجموع 6/ 330.

(3) انظر: المهذب 1/ 190.

(4) انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 2/ 41.

(5) انظر: بداية المجتهد 1/ 307.

(6) انظر: شرح العناية المطبوع مع شرح فتح القدير 2/ 260.

(7) انظر: المغني 3/ 125.

(8) انظر: المرجع السابق.

(9) انظر: بداية المجتهد 1/ 307.

(10) انظر: فتح القدير مع شرحه 2/ 260 - 266.

(11) انظر: شرح العناية المطبوع من شرح فتح القدير 2/ 260.

(12) انظر: فتح القدير مع شرحه 2/ 260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت