الصفحة 9 من 17

ذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجامع فقط [1] . واختلف أصحاب هذا الرأي في القضاء على من تعمد الإفطار بالأكل والشرب، فذهب الشافعي والحنابلة إلى وجوب القضاء لقوله -صلى الله عليه وسلم-"من استقاء فعليه القضاء"، ولأن الله تعالى أوجب القضاء على المريض والسافر مع وجود العذر، فلأن يجب مع عدم العذر أولى. ويجب عليه أيضا إمساك بقية النهار، لأنه أفطر بغير عذر، فلزمه إمساك بقية النهار.

وقال ابن حزم من تعمد الأكل والشرب بطل صومه، ولا يقدر على قضائه أن كان في رمضان أو في نذر معين، لأنه لم يأت في فساد الصوم بالتعمد للأكل أو الشرب نص بإيجاب القضاء، فإيجاب صيام غيره بدلا منه إيجاب شرع لم يأذن الله تعالى به، فهو باطل.

فإن قالوا: قسنا كل مفطر بعمد في إيجاب القضاء على المتقئ عمدا قلنا: القياس كله باطل.

سبب اختلاف الفقهاء:

هو اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع، فمن رأى أن شبههما فيه واحد وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمهما واحدا. ومن رأي أنه وإن كانت الكفارة عقابا لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره، وذلك أن العقاب المقصود به الردع، والعقاب الأكبر قد يوضع لما إليه النفس أميل، وهو لها أغلب من الجنايات وإن كانت الجناية متقاربة إذ كان المقصود من ذلك التزام الناس الشرائع، وإن يكونوا أخيارا عدولا كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) . قال هذه الكفارة المغلظة خاصة بالجماع، وهذا إذا كان ممن يرى القياس. وأما من لا يرى القياس فأمره بين أنه ليس يعدي حكم الجماع إلى الأكل والشرب [2] .

أدلة الرأي الأول:

1 -قوله عليه السلام:"من أفطر في رمضان عليه ما على المظاهر" [3] .

وعلى المظاهر الكفارة بنص الكتاب، فكذا على المفطر متعمدا [4] .

2 -استدلوا أيضا بالمواقعة والقياس عليها: أما الاستدلال بالمواقعة، فهو أن الكفارة فيها وجبت لكونها إفساد لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدا من غير عذر ولا سفر، فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابا هاهنا دلالة.

والدليل على أن الوجوب في المواقعة لما ذكرنا وجهان: أحدهما مجمل، والآخر مفسر.

أما المجمل فاستدلال بحديث الأعرابي. وأما المفسر، فلأن إفساد صوم رمضان ذنب، ورفع الذنب واجب عقلا وشرعا لكونه قبيحا، والكفارة تصلح رافعة له، لأنها حسنة وقد جاء الشرع بكون الحسنات ذاهبة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير، وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلا الشارع للأحكام وهو الله تعالى، فمتى ورد الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص، ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر، كان ذلك إيجابا لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابت بالنص لا بالتعليل والقياس.

وأما القياس على المواقعة، فهو أن الكفارة هناك وجبت للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانة له في الوقت الشريف، لأنها تصلح زاجرة، والحاجة مست إلى الزاجر، أما الصلاحية فلأن من تأمل أنه لو أفطر يوما من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا لامتنع منه وإما الحاجة إلى الزجر فلوجود الداعي الطبيعي إلى الأكل والشرب والجماع وهو شهوة الأكل والشرب والجماع، وهذا في الأكل والشرب أكثر لأن الجوع والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل والشرب أكثر فكان شرع الزاجر هناك شرعا هاهنا من طريق الأولى، وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس [5] .

أدلة الرأي الثاني: استدل الظاهرية على ما ذهبوا إليه:

1 -بأن أبا بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فيما أوصاه به: من صام شهر رمضان في غيره لم يقبل منه ولو صام الدهر أجمع.

2 -وعن عمر بن الخطاب أنه أتى بشيخ شرب الخمر في رمضان، فقال للمنخرين! للمنخرين ولداننا صيام، ثم ضربه ثمانين وصيره إلى الشام.

ذكر ابن حزم هذين الأثرين ثم قال [6] : ولم يذكر قضاء ولا كفارة؟

واستدل الشافعي وأحمد وغيرهما:

1 -بأن وجوب الكفارة ثبت معدولا به عن القياس، لأن وجوبها لدفع الذنب، والتوبة كافية لدفع الذنب [7] .

(1) انظر: المهذب 1/ 190، الكافي 1/ 352، المحلى بالآثار 4/ 308 - 309.

(2) انظر: بداية المجتهد 1/ 302 - 303.

(3) نصت الراية للزيلعي 2/ 450، دار الحديث بالقاهرة، سنن الدار قطني 2/ 190 - 191، دار المحاسن للطباعة بالقاهرة.

(4) انظر: بذلك المجهود 11/ 215.

(5) انظر: بذلك المجهود 11/ 215 - 216.

(6) انظر: المحلى بالآثار 4/ 311 - 312.

(7) انظر: بذلك المجهود 11/ 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت