ويرى أصحاب الرأي أنه لو جامع في أيام من رمضان واحد ولم يكفر كان عليه كفارة واحدة، فلو جامع فكفر ثم جامع عليه كفارة أخرى في ظاهر الرواية [1] .
وحجة هؤلاء:
1 -إطلاق جوابه عليه الصلاة والسلام للأعرابي بإعتاق رقبة. وإن كان قوله:"وقعت على امرأتي"يحتمل الوحدة والكثرة ولم يستفسره، فدل أن الحكم لا يختلف.
2 -ولأن معنى الزجر معتبر في هذه الكفارة وبدليل اختصاصها بالعمد وعدم الشبهة بخلاف سائر الكفارات، والزجر يحصل بكفارة واحدة، بخلاف ما إذا جامع فكفر ثم جامع للعلم بأن الزجر لم يحصل بالأول [2] .
3 -ولأنها جزاء عن جنايات تكرر سببها قبل استيفائها، فيجب أن تتدخل كالحد [3] .
والثاني
لا تجزئ كفارة واحدة، ويلزمه عن كل يوم كفارة، وهو قول مالك والشافعي والظاهرية، والحنابلة في رواية اختارها القاضي، والليث، وبابن المنذر. وروى ذلك عن عطاء ومكحول [4] .
ودليل هذا:
أن كل يوم عبادة متفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتدخل، كرمضانين وكالحجتين [5] .
وإن كفر ثم جامع ثانية، لم يخل من أن يكون في يوم واحد أو في يومين، فإن كان في يومين، فعليه كفارة ثانية بغير خلاف نعلمه.
وإن كان في يوم واحد، لا شيء عليه بذلك الجماع، لأنه لم يصادف الصوم، ولم يمنع صحته، فلم يوجب شيئا كالجماع في الليل [6] .
وقال أحمد: عليه كفارة ثانية، وكذلك يخرج في كل من لزمه الإمساك وحرم عليه الجماع في نهار رمضان، وإن لم يكن صائما مثل من لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر، أو نسى النية أو أكل عامدا ثم جامع، فإنه يلزمه كفارة.
ودليل هذا:
أن الصوم في رمضان عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها، فتكررت بتكرار الوطء إذا كان بعد التكفير كالحج. ولأنه وطء محرم لحرمة رمضان، فأوجب الكفارة كالأولى. وفارق الوطء في الليل، فإنه غير محرم [7] .
وبعد أن ذكر ابن رشد أقوال الفقهاء في المسائل السابقة قال [8] : والسبب في اختلافهم تشبيه الكفارات بالحدود، فمن شبهها بالحدود قال: كفارة واحدة تجزى في ذلك عن أفعال كثيرة كما يلزم الزاني جلد واحد وإن زنى ألف مرة إذا لم يحد لواحدة منها. ومن لم يشبهها بالحدود جعل لكل واحد من الأيام حكما منفردا بنفسه في هتك الصوم فيه أوجب في كل يوم كفارة.
قالوا: والفرق بينهما أن الكفارة فيها نوع من القربة، والحدود زجر محض.
تعقيب وترجيح:
من ينظر في الأقوال السابقة يلحظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر الأعرابي إلا بكفارة واحدة، ولم يسأله أعاد أم لا، وهذا يؤيد رأي القائلين بأن من وطئ مرارا في اليوم عامدا، فكفارة واحدة فقط، سواء كفر قبل أن يطأ الثانية أو لم يكفر، وأيضا يؤيده: أنه إذا وطئ فقد أفطر، فالوطء الثاني وقع في غير صيام، فلا كفارة فيه. وإن الواطئ بأول إيلاجه متعمدا ذاكرا وجبت عليه الكفارة عاود أو لم يعاود، ولا كفارة في إيلاجه ثانية بالنص، والإجماع [9] .
وقياس الأحناف الكفارة على الحد في التداخل مردود، لأن الحدود يقيمها الإمام والحاكم على المرء كرها، ولا يحل للمرء أن يقيمها على نفسه.
بخلاف الكفارة فإنما يقيمها المرء على نفسه، وهو مخاطب بها على نفسه، وليس مخاطبا بالحدود على نفسه.
ورد دليل الأحناف ومن معهم يقوي رأي القائلين بأن من وطئ في يومين عامدا فصاعدا فعليه لكل يوم كفارة، سواء كفر قبل أن يطأ الثانية أو لم يكفر.
ويؤيد هذا قول ابن حزم [10] : أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي وطئ امرأته في رمضان بالكفارة، فصح أن لذلك اليوم الكفارة المأمور بها، وكل يوم يفطر فيه بالجماع عامدا عليه كفارة فلا فرق بينه وبين ذلك اليوم، لأن الخطاب بالكفارة واقع عليه فيه كما وقع في اليوم الأول ولا فرق -والله أعلم بالصواب-.
المبحث الثالث
حكم من تعمد الإفطار بالأكل والشرب
اختلف الفقهاء في المتعمد الإفطار بالأكل والشرب على رأيين:
الرأي الأول:
ذهب الأحناف والمالكية والثوري وجماعة إلى أن من أفطر متعمدا بأكل أو شرب عليه القضاء والكفارة [11] .
الرأي الثاني:
(1) انظر: فتح القدير مع شرحه 2/ 261، المغني 2/ 132.
(2) انظر: فتح القدير مع شرحه 2/ 261.
(3) انظر: المغني 3/ 132.
(4) انظر: بداية المجتهد 1/ 360، المجموع 6/ 327، المغني 3/ 132 - 133، المحلى بالآثار 4/ 415.
(5) انظر: المهذب 1/ 191.
(6) انظر: المغني 3/ 133.
(7) انظر: المرجع السابق.
(8) انظر: بداية المجتهد 1/ 306.
(9) انظر: المحلى بالآثار 4/ 416.
(10) انظر: المرجع السابق.
(11) انظر: الهداية مع شرح فتح القدير 2/ 263، جواهر الإكليل 1/ 150، بذل المجهود 11/ 214.