وأرى ترجيح قول من قول إنها عقوبة تعبدية لأن القرآن الكريم جاء بالمعنيين، فجاءت الكفارة بمعنى العبادة في قوله جل شأنه (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) [1] .
ووردت الكفارة بمعنى العقوبة في قوله تعالى: (ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) إلى قوله تعالى: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) [2] -والله أعلم بالصواب-.
المبحث الأول
في حكم من جامع في نهار رمضان
أجمعت الأمة على أن من جامع متعمدا في نهار رمضان، يفسد صومه، وقد دلت الأخبار الصحيحة على ذلك [3] . وتتحدث عن أحكام الجامع في المطالب الآتية:
المطلب الأول
هل يجب القضاء والكفارة على من تعمد الجماع في رمضان؟
من أفسد صوم رمضان بتعمد الجماع في الفرج عليه القضاء والكفارة عند الأحناف والمالكية [4] . ومعنى هذا أن من أفسد صومه بالجماع عمدا عليه أن يقضي يوما ويكفر بأحد أنوع الكفارة الثلاث كما سيأتي تفصيل ذلك، فإن كفر بالصيام عليه أن يصوم أحدا وستين يوما، وإن كفر بالعتق فعليه أن يصوم معه يوما. وأن كفر بالإطعام عليه أن يصوم معه يوما.
وعند الحنابلة من أفسد صوما واجبا بجماع عليه القضاء سواء كان في رمضان أو غيره [5] .
ودليل ما سبق:
1 -عن أبي هريرة من طريق أبي أويس"أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر الذي أفطر في رمضان بالكفارة وأن يصوم يوما".
2 -ومن طريق هشام بن سعد عن أبي هريرة"أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمره بأن يصوم يوما".
3 -ومن طريق عبد الجبار بن عمر عن أبي هريرة"أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للواطئ في رمضان"أقضى يوما مكانه"."
4 -ومن طريق الحجاج بن أرطأة عن عطاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي -صلى الله عليه وسلم-"أنه أمر الواطئ في نهار رمضان أن يصوم يوما مكانه".
ذكر هذه النصوص ابن حزم وبين عللها وقال عنها أنها كلها ساقطة [6] .
5 -وروى أبو داود بإسناده وابن ماجه والأثرم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للمجامع"وصم يوما مكانه" [7] .
6 -ولأنه أفسد يوما من رمضان، فلزمه قضاؤه، كما لو أفسده بالأكل، أو أفسد صومه الواجب بالجماع، فلزمه قضاؤه كغير رمضان [8] .
وللشافعية أقوال أحدها أن المجامع بغير عذر تجب عليه الكفارة ويندرج فيها القضاء [9] .
واستدلوا على ذلك:
بحديث أبي هريرة قال"جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا، ثم جلس، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرق فيه تمر، فقال: تصدق بهذا؟ فقال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت أنيابه، ثم قال: أذهبت فأطعمه أهلك"متفق عليه [10] . والعرق المكتل الضخم، لابتيها: يريد الحرتين، والحرة: هي الأرض المكبسة حجارة سوداء [11] ، ودل الحديث على أن من لزمته لا قضاء عليه، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر الأعرابي بالقضاء. ويرى ابن حزم أن الكفارة لا تجب إلا على من وطئ امرأته في الفرج عامدا، ولم يوجب القضاء، وذكر أقوالا متعددة في هذا الموضوع ورد عليها [12] ، ولضعف هذه الأقوال وأدلتها نكتفي بالإشارة إلى موضعها لمن أراد الرجوع إليها.
وذكر ابن رشد أن قوما شذوا فلم يوجبوا على المضطر عمدا بالجماع إلا القضاء فقط، أما لأنهم لم يبلغهم هذا الحديث، وأما أنه بلم يكن الأمر عزمة في هذا الحديث، لأنه لو كان عزمة لوجب أذا لم يستطع الإعتاق أو الإطعام أن يصوم، ولابد إذا كان صحيحا على ظاهر الحديث، وأيضا لو كان عزمة لأعلمه عليه الصلاة والسلام أنه إذا صح أنه يجب عليه الصيام أن لو كان مريضا [13] .
التجيح:
(1) البقرة: 196
(2) النساء: 92.
(3) انظر: المغني لابن قدامة 3/ 120، عالم الكتب، بيروت.
(4) انظر الهداية مع شرح فتح القدير 2/ 263، دار إحياء التراث العربي، بيروت، جواهر الإكليل شرح مختصر خليل 1/ 152، المكتبة الثقافية، بيروت.
(5) انظر: المغني 3/ 120.
(6) انظر: المحلى بالآثار لابن حزم تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري 4/ 309 دار الكتب العلمية، بيروت.
(7) صحيح سنن ابن ماجه للألباني 1/ 280 رقم 1356، المكتب الإسلامي، بيروت.
(8) انظر: المغني 3/ 130.
(9) انظر: المجموع للنووي 6/ 331، دار الفكر.
(10) تلخيص الجير في تخريج الرافعي الكبير المطبوع مع المجموع 6/ 442.
(11) انظر: المجموع 6/ 333.
(12) انظر: المحلى بالآثار 4/ 313 - 328.
(13) أنظر: بداية المجتهد لابن رشد القرطبي 1/ 302، دار المعرفة، بيروت.