الصفحة 3 من 17

بعد العرض السابق يتبين لنا أن ما أستدل به القائلون بالقضاء والكفارة لم يسلم من الاعتراضات كما قال ابن حزم، وعلق ابن قيم الجوزية على الراوية التي أثبتت الزيادة وهي الأمر بالصوم وقال: هذه اللفظة غير صحيحة [1] .

وذكر ابن حجر الطرق المثبتة لهذه الزيادة والتي خلت منها ثم قال [2] : وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلا.

ومع أن ابن حجر يرى أن الأمر بالقضاء له أصل يرجع إليه -وهو شافعي- إلا أن دليل الشافعية حديث متفق عليه وهو بظاهره يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يوجب على الأعرابي إلا الكفارة، ولهذا فإني أرجح رأي القائلين بوجوب الكفارة على من تعمد الجماع في نهار رمضان دون القضاء -والله أعلك بالصواب-.

المطلب الثاني

هل الجماع في الفرج مطلقا يوجب الكفارة

للفقهاء في هذا رأيان:

الرأي الأول:

يرى عامة أهل العلم أن الكفارة تلزم من جامع في الفرج في رمضان عامدا أنزل أو لم ينزل [3] .

واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة السابق حيث أوجب النبي -صلى الله عليه وسلم- الكفارة على الرجل الذي واقع امرأته، دون أن يسأله عن تفاصيل الجماع.

وقال الأحناف [4] :

لا يشترط الإنزال في المحلين، لأنه لا يشترط الإنزال في الحد مع أنه عقوبة محضة فلأن لا يشترط في الكفارة وهي مشتملة على العبادة والعقوبة أولى.

ومنعوا أيضا اشتراط الإنزال اعتبارا بالاغتسال: يعني أنه إذا أدخل ولم ينزل وجب عليه الغسل، فكذلك الكفارة.

فإن قيل الكفارة تندرئ بالشبهات وانتفاء معنى الجماع وهو قضاء الشهوة يورث الشبهة والاغتسال يجب بالاحتياط، فقياس أحدهما على الآخر لا يكون صحيحا.

فالجواب: أنا نمنع انتفاء معنى الجماع، لأن قضاء الشهوة يتحقق دون الإنزال، والإنزال شبع، وليس بشرط، ألا ترى أن من أكل لقمة وجبت عليه الكفارة وإن لم يوجب الشبع.

الرأي الثاني:

حكى عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير أنه لا كفارة على من جامع في رمضان عامدا، لأن الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها، فلا تجب في أدائها كالصلاة [5] .

ونوقش دليل المانعين للكفارة بأنه لا يجوز اعتبار الأداء في ذلك بالقضاء، لأن الأداء يتعلق بزمن مخصوص يتعين به، والقضاء محله الذمة، والصلاة لا يدخل في جبرانها المال بخلاف مسألتنا [6] .

الرأي الراجح في الموضوع:

بعد أن ذكرت الرأيين السابقين وأدلتهما، وما ورد على دليل الرأي الثاني يتضح لي أن الرأي الأول هو الراجح لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة، لأن قضاء الشهوة يتحقق بالجماع دون الإنزال ولهذا رجحت الرأي الأول -والله أعلم بالصواب-.

المطلب الثالث

حكم من جامع دون الفرج وإنزال

اختلف الفقهاء في الجامع دون الفرج إذا اقترن به الإنزال على رأيين:

الرأي الأول:

ذهب الإمام مالك، وأحمد في رواية، وعطاء والحسن وابن المبارك واسحق إلى أن الجامع دون الفرج إذا اقترن به الإنزال يوجب الكفارة [7] .

ودليل هذا:

1 -أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستفصل من السائل عن الوقائع في حديث أبي هريرة السابق.

2 -ولأن هذا قصد إلى الفطر، وهتك حرمة الصوم بما يقع به الفطر، فوجبت الكفارة كالمجامع [8] .

الرأي الثاني:

لا كفارة فيه، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وأحمد في الرواية الثانية، والظاهرية [9] .

ودليل هذا:

أن الجماع دون الفرج إذا اقترن به الإنزال فهو فطر بغير جماع تام، فأشبه القبلة.

ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة، ولا نص في وجوبها، ولا إجماع، ولا قياس [10] .

وقال الأحناف [11] :

من جامع فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء، لأن الجامع فيه جماع معنى، وليس به صورة، فلا كفارة عليه.

ونوقشت أدلة الرأي الأول:

1 -بأنه لا يطلق على من وطئها في غير الفرج اسم واطئ، ولا اسم مواقع، ولا اسم مجامع، ولا أنه وطئها، ولا أنه وقع عليها، ولا أنه جامعها، إلا حتى يضاف إلى ذلك صلة البيان، فإيجاب الطهارة على غير من ذكرنا مخالف للسنة وتعدي لحدود الله تعالى في ذلك، وإيجاب ما لم يوجبه [12] .

(1) انظر: تهذيب الإمام بن قيم الجوزية المطبوع من مختصر سنن أبي داود 3/ 273، دار المعرفة، بيروت.

(2) انظر: فتح الباري 4/ 172، دار الفكر.

(3) انظر: المغني 3/ 120، فتح العزيز شرح الوجيز المطبوع مع المجموع 6/ 441.

(4) انظر: الكفاية وشرح العناية المطبوعان مع شرح فتح القدير 2/ 269.

(5) أنظر: المغني 3/ 120.

(6) أنظر: المرجع السابق.

(7) انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 2/ 41، إدارة إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر، الكافي لابن قدامة 1/ 356، المكتب الإسلامي، بيروت.

(8) أنظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 2/ 41، المغني 3/ 121.

(9) انظر: الهداية مع شرح فتح القدير 2/ 265، فتح العزيز مع المجموع 6/ 446، الكافي 1/ 356، المحلى بالآثار 4/ 327.

(10) انظر: المغني 3/ 121.

(11) انظر: شرح العناية مع شرح فتح القدير 2/ 265.

(12) انظر: المحلى بالآثار 4/ 327.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت