الصفحة 4 من 17

2 -ولا يصح القياس على الجامع في الفرج، لأنه أبلغ بدليل أنه يوجبها من غير إنزال، ويجب به الحد إذا كان محرما ويتعلق به أثنا عشر حكما، ولأن العلة في الأصل الجامع بدون الإنزال، والجامع هنا غير موجب، فلم يصح اعتباره به [1] .

الترجيح:

بعد العرض السابق لأقوال الفقهاء وأدلتهم وما ورد على أدلة الرأي الأول من مناقشات يبدو لي أن رأي القائلين بأن الجامع دون الفرج إذا اقترن به الإنزال لا يجب به كفارة هو الراجح لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة، ولأن قياسه على الوطء في الفرج غير صحيح لما بينهما من الفرق، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستفصل من الأعرابي، لأنه فهم منه الوقاع في الفرج، بدليل ترك الاستفصال عن الإنزال [2] ، لكل ما سبق رجحت الرأي الثاني -والله أعلم بالصواب-.

ويتعلق بما سبق تعمد إفساد الصوم بالاستمناء:

فمن استمنى بيده فقد فعل محرما، ولا يفسد صومه به إلا أن ينزل، فإن أنزل فسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة عند جمهور الفقهاء [3] ، لأن النص ورد في الجماع، وهذا ليس في معناه.

وقال المالكية، وأبي خلف الطبري من الشافعية أن من استمنى بيده فأنزل تجب عليه الكفارة [4] .

والخلاف السابق وما ورد فيه من أدلة يرد هنا، والراجح هناك أيضا هو الراجح هنا. وإن أنزل لغير شهوة كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض فلا شيء عليه، لأنه خارج لغير شهوة أشبه البول، ولأنه يخرج من غير اختيار منه ولا تسبب إليه فأشبه الاحتلام. ولو احتلم لم يفسد صومه، لأنه عن غير اختيار منه، فأشبه ما لو دخل حلقه شيء وهو قائم. ولو جامع في الليل فأنزل بعد ما أصبح لم يفطر، لأنه لم يتسبب غليه في النهار، فأشبه ما لو أكل شيئا في الليل فذرعه القئ في النهار [5] .

-والله أعلم بالصواب-

المطلب الرابع

حكم من جامع ناسيا؟

اختلف الفقهاء في من جامع ناسيا على أقوال، هي:

القول الأول:

ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى إسقاط القضاء والكفارة مع النسيان.

وروى أبو داود عن أحمد أنه توقف عن الجواب وقال: أجبن أن أقول فيه شيئا وأن أقول ليس عليه شيء، قال سمعن غير مرة لا ينفذ له فيه قول، ونقل أحمد بن القاسم عنه: كل أمر غلب عليه الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره، قال أبو الخطاب: هذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان، وهو قول الحسن ومجاهد والثوري [6] .

وعند الظاهرية لا شيء مع الإكراه والنسيان [7] . وقد نقل ابن رشد والسهار نفوري أنهم يوجبون القضاء والكفارة، وهذا خطأ [8] .

القول الثاني:

يرى الإمام مالك أنه عليه القضاء دون الكفارة [9] .

القول الثالث:

قال أحمد: الناسي كالعامد، وهو ظاهر المذهب، وهذا قول عطاء، وابن الماجشون [10] .

سبب الخلاف:

قال ابن رشد [11] : وسبب اختلافهم في قضاء الناسي معارضة ظاهرة الأثر في ذلك للقياس. وأما القياس فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة، فمن شبهه بناسي الصلاة أوجب عليه القضاء كوجوبه بالنص على ناسي الصلاة. وأما الأثر المعارض بظاهرة لهذا القياس فهو ما خرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه"، وهذا الأثر يشهد له عموم قوله عليه الصلاة والسلام"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

دليل القول الأول:

1 -عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"من نسى وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه"متفق عليه [12] .

ويشهد لهذا الأثر عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-"وضع عن أمتي الخطأ والنسيان" [13] .

دل حديث أبي هريرة على أن من أكل أو شرب أو جامع ناسيا لصومه، فإنه لا يفطره ذلك لدلالة قوله:"فليتم صومه"على أنه صائم حقيقة [14] .

دليل القول الثاني:

قاس الملكية جماع الناسي على من نسى ركنا من الصلاة، فإنها تجب عليه الإعادة وإن كان ناسيا [15] .

أدلة القول الثالث:

(1) انظر: المغني 3/ 121.

(2) انظر: الكافي 1/ 356.

(3) انظر: شرح العناية مع شرح القدير 2/ 256، المجموع 6/ 341، الكافي 1/ 354.

(4) انظر: جواهر الإكليل شرخ مختصر خليل 1/ 152، المكتبة الثقافية ببيروت، المجموع 6/ 341.

(5) انظر: المغني 3/ 113.

(6) انظر: الكفاية مع شرح فتح القدير 2/ 263، المجموع 6/ 335، المغني 3/ 121.

(7) انظر: المحلى بالآثار 4/ 361.

(8) انظر: بداية المجتهد 1/ 303، بذل المجهود في حل أبي داود 11/ 217.

(9) انظر: بداية المجتهد 1/ 303.

(10) انظر: المغني 3/ 121.

(11) انظر: بداية المجتهد 1/ 303.

(12) مشكاة المصابيح للتبريزي 1/ 623، المكتب الإسلامي، بيروت.

(13) صحيح سنن ابن ماجة 1/ 348 رقم 1664.

(14) انظر: سبل السلام 2/ 327، دار الكتاب العربي، بيروت.

(15) انظر: بداية المجتهد 1/ 303، سبل السلام 2/ 327.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت