الصفحة 5 من 17

1 -حديث أبي هريرة السابق والذي جاء فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الذي قال وقعت على امرأتي بالكفارة، ولم يسأله عن العمد، ولو افترق الحال لسأل واستفصل.

ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ السائل، وهو الوقوع على المرأة في الصوم. ولأن السؤال كالمعاد في الجواب، فكأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"من وقع على أهله في رمضان فليعتق رقبة" [1] .

2 -ولأن الصوم عبادة تحرم الوطء فاستوى فيها عمده وسهوه كالحج. ولأن إفساد الصوم ووجوب الكفارة حكمان يتعلقان بالجماع لا تسقطهما الشبهة، فاستوى فيهما العمد والسهو، كسائر أحكامه [2] .

-مناقشة الأدلة:

أولا- مناقشة دليل القول الأول:

حديث أبي هريرة ليس فيه ما يدل على أن من جامع ناسيا لا شيء عليه لأنه مخصوص بالأكل والشرب، وقوله -صلى الله عليه وسلم-"فليتم صومه"لا يؤيد عدم الفطر، لأن المراد منه: فليتم إمساكه عن المفطرات [3] .

وأجيب عن هذا:

بأنه ورد في رواية أخرى عند الحاكم بلفظ صحيح"من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء ولا كفارة"، وهذا صريح في صحة صومه وعدم قضائه له [4] .

ثانيا: مناقشة دليل القول الثاني:

نوقش قياس المالكية بأنه فاسد الاعتبار، لأنه في مقابلة النص والمراد بالنص هنا هو حديث أبي هريرة الدال على رفع القضاء عن الناسي [5] .

ثالثا- مناقشة أدالة القول الثالث:

1 -حديث الأعرابي ليس بحجة لأنه مجمل. ومن قال من أهل الأصول أن ترك التفصيل في اختلاف الأحوال من الشارع بمنزلة العموم في الأقوال فضعيف، فإن الشارع لم يحكم قط إلا على مفصل وإنما الإجمال في حقنا [6] .

2 -وقياس الحنابلة الناسي في الجماع على الناسي في الحج قياس مردود لمخالفته للنص.

وأيضا قولهم باستواء العمد والسهو في الصيام، قول مردود لثبوت الاختلاف بينهما على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والذي جاء به حديث أبي هريرة السابق.

الترجيح:

بعد أن ذكرت أقوال الفقهاء في حكم من جامع ناسيا -وأدلتهم، والاعتراضات التي وردت عليها يبدو لي أن رأي القائلين بأن الناسي لا شيء عليه هو الراجح، لقوة أدلتهم، وسلامتها من المناقشة، وقد أيد هذا الأمام الصنعاني، والإمام الشوكاني بعد أن تكلم على تجريح حديث أبي هريرة الذي استدل به أصحاب الرأي الأول، وحكم على سنده بالصحة قال [7] : ويتعضد أيضا بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير مخالف. كما قال ابن المنذر وابن حزم وغيرهما، منهم: على وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى [8] : (ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) . فالنسيان ليس من كسب القلوب. وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه. أ. هـ. منه. نقلا عن الحافظ بن حجر. وقال الشنقيطي المالكي [9] : الدليل إلى جانب من يقول: أن من أفطر من صومه سهوا، لا قضاء عليه ولا أثم ولا كفارة.

وقال ابن حجر بعد رد أدلة المخالفين للشافعية: دخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد [10] . لكل ما سبق رجحت الرأي الأول -والله أعلم بالصواب-.

المطلب الخامس

الأحكام التي تتعلق بالجماع قبل غروب الشمس وبعد طلوع الفجر

إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع: للفقهاء في هذا رأيان.

الأول:

قال مالك والشافعي وأحمد: إن طلع الفجر وهو مجامع فاستدام مع العلم بالفجر وجبت عليه الكفارة، واختلفوا في القضاء معها كما سبق [11] .

ودليل هذا:

أنه منع صوم يوم من رمضان بجماع من غير عذر فوجبت عليه الكفارة. كما لو وطئ في أثناء النهار [12] .

والثاني:

قال أبو حنيفة: يجب القضاء دون الكفارة. وقيل هذا إذا لم يحرك نفسه بعد التذكر حتى أنزل، فإن حرك نفسه بعده، فعليه الكفارة كما لو نزع ثم أدخل.

وحجة أبي حنيفة على القضاء:

أن وطأة لم يصادف صوما صحيحا، فلم يوجب الكفارة، كما لو ترك النية وجامع [13] . ويمكن أن يناقش القياس بأنه قياس مع الفارق، لأن من ترك النية عليه القضاء بالإجماع.

أما من استمر في الجامع بعد طلوع الفجر فهو بهذا يفسد صومه به، ويكون كمن وطئ بعد طلوع الفجر.

والراجح مما سبق هو الرأي الأول، لأن استدامة الجماع مع العلم بالفجر جماع، والجماع أثناء الصيام يوجب الكفارة بالنص كما سبق.

(1) انظر: المغني 3/ 122.

(2) انظر: المرجع السابق.

(3) انظر: سبل السلام 2/ 327.

(4) انظر: المرجع السابق.

(5) انظر: بداية المجتهد 1/ 304، وسبل السلام 2/ 327.

(6) انظر: بداية المجتهد 1/ 304.

(7) انظر: سبل السلام 2/ 327.

(8) سورة البقرة: الآية 225.

(9) انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 2/ 36 - 37.

(10) انظر: فتح الباري لابن حجر 4/ 164، دار الفكر.

(11) انظر: جواهر الإكليل 1/ 152، المهذب للشيرازي 1/ 191 - 192، دار المعرفة- بيروت، الكافي 1/ 350.

(12) انظر: المغني 3/ 126.

(13) انظر: فتح القدير مع شرحه 2/ 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت