وأما أن نزع في الحال مع أول طلوع الفجر، فقال ابن حامد والقاضي، وبعض المالكية: عليه الكفارة أيضا، لأن النزع جماع يلتذ به، فتعلق به ما يتعلق بالاستدامة كالإيلاج [1] .
وقال أبو حنيفة والشافعي، وأبو حفص من الحنابلة: لا قضاء عليه ولا كفارة، لأنه ترك للجماع، فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع، كما لو حلف لا يدخل دارا وهو فيها فخرج منها كذلك ههنا [2] .
وقال مالك: يبطل صومه ولا كفارة عليه، لأنه لا يقدر على أكثر ما فعله في ترك الجماع، فأشبه المكره [3] .
وهذا المسألة تقرب من الاستحالة إذ لا يكاد يعلم أول طلوع الفجر على وجه يتعقب النزع من غير أن يكون قبله شيء من الجامع، فلا حاجة إلى فرضها والكلام فيها [4] .
ومن جامع يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه كان قد طلع، فعليه القضاء والكفارة كما قال الحنابلة.
وحجتهم على هذا: حديث المجامع إذ أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتكفير من غير تفريق ولا تفصيل، ولأنه أفسد صوم رمضان بجماع تام، فوجبت عليه الكفارة، كما لو علم [5] .
وقال أصحاب الشافعي يلزمه القضاء إذا أكل أو شرب أو جامع ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر فبان خلافه [6] .
أدلة الشافعية:
1 -قال تعالى [7] : (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ) وهذا قد أكل في النهار.
2 -وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- قالت:"أفطرنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام فأمروا بالقضاء فقال بد من قضاء" [8] .
3 -ولأنه مفطر، لأنه كان يمكنه أن يثبت إلى أن يعلم فلم يعذر [9] .
والراجح من الأقوال هو الذي يوجب القضاء لورود النص الصحيح بذلك -والله أعلم بالصواب-.
المطلب السادس
حكم المرأة إذا طاوعت زوجها على الجماع
صوم المرأة يفسد بالجماع بغير خلاف نعلمه، لأنه نوع من المفطرات، فاستوى فيه الرجل والمرأة، كالأكل. وهل يلزمها الكفارة؟ للفقهاء في الإجابة على هذا أقوال، هي:
القول الأول [10] :
ذهب أبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، وأحمد في رواية اختارها أبو بكر، وأبو ثور، وابن المنذر إلى أن المرأة إذا طاوعت زوجها على الجماع وجبت عليها الكفارة.
وهذا قول للشافعية في الموضوع.
القول الثاني [11] :
ذهب الشافعي في قول آخر، وداود إلى أن المرأة لا كفارة عليها، والرواية الثانية عند الحنابلة توافق ما ذهب إليه الشافعي وداود. قال أبو داود: سئل أحمد عمن أتى أهله في رمضان، أعليها كفارة؟ قال ما سمعنا أن على امرأة كفارة، وهذا قول الحسن.
القول الثالث [12] :
ذهب الشافعي في قول ثالث إلى أنه تجب عليه عنه وعنها كفارة.
سبب الخلاف:
يرى ابن رشد أن سبب اختلافهم معارضة ظاهر الأثر للقياس، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر المرأة في الحديث بكفارة، والقياس أنها مثل الرجل إذا كان كلاهما مكلفا [13] .
الأدلة
أولا- أجلة القول الأول:
1 -قوله عليه الصلاة والسلام:"من أفطر في رمضان متعمدا فعليه ما على المظاهر" [14] ، وكلمة من تنتظم الذكور والإناث [15] .
2 -ولأن السبب جناية الإفساد لا نفس الوقاع وقد شاركته فيها [16] .
3 -ولأن الكفارة عقوبة تتعلق بالجماع فاستوى فيها الرجل والمرأة كحد الزنا [17] .
ثانيا- أدلة القول الثاني:
1 -في حديث الأعرابي السابق أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء، مع علمه بصدور ذلك منها [18] .
2 -ولأن الكفارة متعلقة بالجماع وهو فعل الرجل، وإنما هي محل الفعل.
3 -ولأنه حق مال يتعلق بالوطء من بين جنسه، فكان على الرجل كالمهر [19] .
ثالثا- أدلة القول الثالث:
1 -تجب على الرجل عنه وعنها كفارة، لأن الأعرابي سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فعل مشترك بينهما، فأوجب عتق رقبة، فدل على أن ذلك عنه وعنها [20] .
(1) انظر: المغني 3/ 126، جواهر الإكليل 1/ 152.
(2) انظر: فتح القدير مع شرحه 2/ 255، المجموع 6/ 311، المغني 3/ 126.
(3) انظر: جواهر الإكليل 1/ 152.
(4) انظر: المغني 3/ 126.
(5) انظر: المغني 3/ 126 - 127.
(6) انظر: المجموع 6/ 309.
(7) سورة البقرة: الآية 187.
(8) صحيح سنن ابن ماجة 1/ 280 رقم 1358.
(9) انظر: المجموع 6/ 307.
(10) انظر: الكفاية مع شرح فتح القدير 2/ 262، بداية المجتهد 1/ 304، المغني 3/ 123، المهذب 1/ 190.
(11) انظر: المهذب 1/ 190، المحلى بالآثار 4/ 327، المغني 3/ 123.
(12) انظر: المهذب 1/ 191.
(13) انظر: بداية المجتهد 1/ 304.
(14) الحديث سبق تخريجه.
(15) انظر: الهداية مع شرح فتح القدير 2/ 262 - 262.
(16) انظر: المرجع السابق.
(17) أنظر المهذب 1/ 190 - 191.
(18) انظر المقنع لابن قدامة المقدسي 1/ 399، الطبعة الثالثة بدولة قطر، 1393هـ
(19) انظر: المغني 3/ 123.
(20) أنظر: المهذب 1/ 191.