فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 74

ويومًا ما قبل قرنين، يوم ادلهمت هذه الخطوب وأمثالها على الأمة الإسلامية: سارع نقي صفي إلى الانتفاض عليها والاستدراك، في محاولة لتكوين صورة تعيد محاسن السلف بعد أن لطَّخت السمعةَ الطيبةَ مساوئ الخلف، وذلك هو شيخ الإصلاح محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله-، ويكفينا أن ندرك طرفًا من نجاحه في محاولته إعادة الأمور إلى نصابها حين ننصت إلى الجبرتي المؤرخ المصري وهو يصف سلوك الوهابية العفيف عند احتلالها مكة والمدينة بعد سنة فقط من حدوث الانفلات الأمني بمصر مما رويناه عنه قبل قليل، ولست بوهابي، ولكني سلفي مطلق حر أحكم بالعدل وأروي بنظرة الحياد، واستل شيئًا من حياد الجبرتي نفسه حين تصدى لذكر الحقيقة مقارنة بما كان من حماقات عساكر مصر، وهو يومها غريب عن الوهابية وتفصله عنها صحراء ثم بحر ثم صحراء، فقد ذكر أخلاق المتدين إذا حارب بمقابل ظلم وتجبر المنتسب إلى الدين، ففي سنة 1220 هـ (وردت الأخبار بأنَّ الوهابيين استولوا على المدينة المنورة-على ساكنها افضل الصلاة وأتم التسليم-بعد حصارها نحو سنة ونصف من غير حرب، بل تحلقوا حولها وقطعوا عنها الوارد، وبلغ الاردب الحنطة بها مائة ريال فرانسة، فلما اشتد بهم الضيق سلموها ودخلها الوهابيون، ولم يحدثوا بها حدثًا غير منع المنكرات وشرب التنباك في الأسواق وهدم القباب ما عدا قبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -) (1) ، وإنما أردت المقارنة ومن المصدر نفسه، وأنا سلفي وسطي، والجبرتي ربيب بيئة مذهبية تقليدية، لكني أعجبني عدله وعفاف لسانه وقوله (ولم يحدثوا بها حدثًا غير منع المنكرات) ، وفي نفس السنة كان جهلة من المسلمين يقترفون الآثام العظيمة بمصر، وهم (الدالاتية) أو (الدلاة) الذين استقدمهم والي مصر من الشام لنجدته وتثبيت حكمه، فسلبوا الناس ورجعوا إلى الشام ولم يفيدوه .

(1) تاريخ الجبرتي 3/91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت