فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 74

…إنَّ القيمة الجمالية مُحركٌ فاعلٌ شديد التأثير من جملة محركات الحياة، وقد أدرك السلف ما في هذه القيمة من طاقةٍ في هز النفوس ونفض الأرواح فأحسنوا توظيفها لصالح وعظهم الإيماني، أفلا تعجب لابن السمَّاك الزاهد الذي هو من رجال صدر الإسلام، وفي عِداد العامة الفقراء من الناس الذين تشغلهم همومهم المعاشية، استنباطًا من كونهِ ابن صياد سمك، حينَ رأى وسيمًا صبيحًا فقال لهُ واعظًا: (لم أرَ أحسن من وجهك، فلا تجعلهُ لجهنمَ حطبًا) ، فهذا توظيفٌ للقيمة الجمالية في خدمة الإيمان والتزكية، وخلاصة ميزان ابن السمّاك أنَّ للجمال ضريبتهُ، وهي أن يستقيم الفرد الجميل ويلتزم التقوى وينأى عن قُبح جهنّم قبل أن يخاف من عذابها، وما أظنُّ أنه استطاع هذا الربطَ لو لم تكن نفسهُ شفافة تتعاطى التعامل المستطرد الطويل مع ظاهرة الجمال، وفي هذا ما يتيحُ لدعاة الإسلام اليومَ إذ هم في عصرٍ مدني متطور صارت للجمال فيه فلسفةٌ وقواعد وأوصاف معرفية: أن يطوروا أساليبهم إلى مستوى الخطاب الفني، ليصفوا ويبدوا التكامل والترابط المؤكد بين إيحاءات الجمال وإلقاءات الإيمان، والذي أفهمهُ أنَّ ذلك ينبغي أن يكون عبرَ قصصٍ ووثائق توصيف لواقع حياة المسلمين الحاضرة، فإنَّ من شأن هذا الأدب العاطفي إذا وصلَ إلى درجة من الكثافة والترادف واجتماع المعاني أن يُصلحَ نفوس المثقفين ويحملها على التحرر من غفلةٍ تعتريهم بسبب عيشهم في مجتمع مادي معقد، ومع ذلك فإنَّ الأمي والأعرابي لن يكونا عن تأثيرات هذا الأدب بمعزل ما دام هناك من الدعاة من يقف فيهم واعظًا يترجمهُ لهم ويبسطهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت