فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 74

وبمثل هذا نستطيع إدراك المعنى التجديدي والمُنَح الإبداعية في هذه الطريقة الإيمانية الواعظة، فأصل حقيقتها قديمة ثابتة منذ عصر النبوات الأولى، ولكنَّ الفقه الدعوي مكلفٌ بتطوير أساليب عرضها وإيصال معانيها إلى طبقات الناس، وفي هذا السياق لستُ آبهُ لتصنعٍ وتكلفٍ يمتزجُ بالكلمة الوعظية إذا كنا نحرص على مخاطبة الناس لا على قدر عقولهم فقط بل وباصطلاحاتهم ولغتهم المهنية وبطريقة العامة في التمثيل والتفهيم واستفزاز دواخل المخاطب، فكما أنَّ الحداد يتكلم عن (مطارق الأشواق) و (سندان القلب) فإنَّ سائقًا ركبتُ معهُ قال لي في حوارهِ السريع معي: عجبًا كيف سنلقى الله ونقف في ساحة الحساب وأحدنا يجلب معه إلى الساحة عشرة شاحنات ثقيلة من الخطايا والذنوب؟!

ولذلك ربما يوظّف البارع الأبعاد الهندسية والزوايا والتثليثات والتربيعات والتدويرات والتكويرات في خطابه الوعظي، كما قال ابن الجوزي لشيخ عشيرة وعينٍ: (إنهُ-سبحانه-لم يجعل أحدًا فوقك، فلا ترضَ أن يكون أحدًا أشكرَ لهُ منك) (1) .

فهذه الفوقية والمحل العلوي وصفٌ هندسي ربطهُ الواعظُ بمعنىً إيماني، والاسترسال يدعُ المبدعَ يستعمل حقائق وألفاظ التحتانية والأمام والوراء والتوازي والميل والانفراد وأشباه ذلك في تجديد لغة الوعظ والتذكير، وهي لغةٌ ربما تعاكست مع رمزيات ومجازات الرقائق، ولكنها قد تكون مطلوبةً في مجتمعٍ عُمالي وصناعي وميكانيكي، ثمَّ الإيمان أقرب من ذلك لمن حباهُ الله بفطرةٍ أو ألقى السمعَ وهو شهيد، ومن الناس السعداء من تكفيهم نظرة العين من المربي لينتهوا عن غيٍ شرعوا فيه، ولكنَّ المسرف قد يحتاج ما اقترحناه من تكلفٍ وتصنعٍ، وهو الله يهدي من يشاء، ثمّ هي الملائكة تُظلُ بأجنحتها من يُنيب.

(1) الآداب الشرعية لابن مفلح 1/197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت