وإبراهيم بن ادهم مثال لهؤلاء، فقد جمع بين الزهد وفقه النفوس، وحرص على دور وعظي تربوي، وجمع إلى ذلك حياة جهادية حتى وفاته سنة 162 هـ، وله مشهد متميز وإبداع في الإصرار على نية الجهاد وهو على فراش المرض، فانه كان يكثر الغزو… (وذكروا أنه توفي في جزيرة من جزائر بحر الروم وهو مرابط…فلما كانت غشية الموت قال: أوتروا لي قوسي، فأوتروه، فقبض عليه، فمات يريد الرمي به إلى العدو-رحمه الله-) (1) ، وهذا المشهد بريء من تكلف يظنه المستعجل الذي لا خبرة له في التربية العملية، وإنما أراد إبراهيم صناعة مشهد من التربية بالمنظر الغني بالمعاني التأثيرية النفسية، وما كان الوضع آنذاك يحتاج رميته، إذ الرماة ألوف، ولكنه أراد إلقاء معنى الجهاد في نفوس الناظرين وفي نفوس أفراد كل جيل مؤمن تبلغه قصته، وهذا الاحتفال بالجهاد والإذعان لأمر الله بالدفاع والغزو هو أحد الدروس التي يليق للتربية الدعوية اليوم أن تستلهمها من تاريخنا المجيد، فان الاستعمار الأمريكي يريد أن يرسخ قدمه، ويريد أن يغير عقائد المسلمين ومناهجهم التربوية وأفكارهم وأخلاقهم بما يوازي الفلسفة المادية الغربية، وأيما جنوح للسلم إذ الاحتلال جاثم سيكون بداية الهزيمة لنا، وستنحل العزائم، وسيكون من الصعوبة بمكان أن نستأنف الجهاد، وبخاصة بعد ما تكشفت أساليب التخدير المعنوي والتضليل الإعلامي وتسويغ الفساد والإغراء بالمال والفرص والنساء، ولذلك يجب أن تبقى الجذوة الجهادية، ساخنة متصلة ضاغطة، فان الجهاد هو خط الدفاع الأهم، وكم في تاريخنا الأغر من نماذج جهادية يسهل استلهام دروسها وتوظيفها في معركتنا الجهادية الحالية، وفي هذا الإمكان الدليل على واقعية الحل الإسلامي.
(مساوئ الخَلف
(1) البداية والنهاية 10/148.