وبضدها تتميز الأشياء، ولكي نعرف ما في الدين من مِنحٍ وحلولٍ وعافية للمجتمع إذا ساس العدول الثقات أهل الورع: فإنه يلزمنا أن ننظر الفوضى والأحوال الردية عند حصول الغفلات، وحال كثير من أقطار أمة الإسلام اليوم، ثم حال العراق بخاصة، يبرز كمثال كثير الدروس والعبر التي تبين جسامة انحراف الناس إذا انحرف الرأس، ومبلغ الاستهتار إذا انطلق الإفساد بلا رادع يردعه من واعظ محتسب أو حاكم له سلطة، وهذه الترديات حصلت خلال التاريخ الإسلامي مرارًا كثيرة، ويتبين للفاحص أنها سلسلة من السوء لها جذر ضارب في العمق فتنمو شجرة السوء حينا وتقطع حينا بحسب ما يكون من جهود رجال سلسلة الإصلاح المقابلة لها، تماما كالجرثوم الذي تشله الوقاية فيختفي أثره ثم تمده بالنشاط بيئة الأوساخ فيكون الوباء، حتى إذا أثخن هذا الوباء في القتل وبلغ المدى: تاب الوسخون وعادوا إلى شيء من النظافة فيتراجع الجرثوم، وذلك كله من مظاهر حكمة الله في خلق النفس فاضلة زكية في نصفها، ولها نصف فاجر.
وساقتني المطالعات إلى أن نكتشف سابقة في الفوضى عمت بلاد مصر قبل قرنين هي صورة تامة الشبه بما جرى للعراق هذه الأيام، يرويها لنا المؤرخ الجبرتي واصفًا عهد المماليك الذي سبق حكم محمد علي باشا، وبالذات سنة 1219 هـ .
فكان أول العدوان: الابتعاد عن الرونق الإسلامي والأُبهة الإيمانية، ففي سنة الفوضى هذه (نزلوا بقطع الكسوة أمام أمير الحاج، وركب أمامه الأغا والوالي والمحتسب وناظر الكسوة، بهيئة محتقرة من غير نظام ولا ترتيب، ومن خلفهم المحمل على جمل صغير أعرج) (1) ، وهي الحال المزرية التي عليها الحكومات ودواوين الأوقاف في كثير من بلاد الإسلام في زمن النكرات إذا احتفلوا بأمر إيماني، وحمل الفقهاء الذي تنوء به سيارة قديمة ذات أعطال هي سلسلة ذاك البعير الأعرج .
(1) تاريخ الجبرتي 3/40.