ورصد الجبرتي آنذاك أيضًا (خراب البلاد وتتابع الطلب والفرد(1) والتعايين والشكاوى والتساويف، ووقوف العربان بسائر النواحي، وتعطيل المراكب عن السفر لعدم الأمن، وغصبهم ما يرد من السفائن والمعاشات، وانقضت السنة وما حصل بها من الغلاء وتتابع المظالم والفرد على البلاد، وإحداث الباشا له مرتبات وشهريات على جميع البلاد، والقبض على أفراد الناس بأدنى شبهة، وطلب الأموال منهم وحبسهم) (2) ، فكأنه يتحدث عن حال اليوم.
ومن يوميات الفساد والظلم التي سجلها الجبرتي: قصص جبروت العساكر عند اختلال الأمن سنة 1219 هـ أيضًا وكيف أنهم (سكنوا بيوت الخليج مع قحابهم من النساء، ومات في ذلك اليوم عدة أشخاص نساء ورجالًا أصيبوا من بنادقهم، ومما وقع أنه أصيب شخص من أولاد البلد برصاصة منهم ومات، وحضر أهله يصرخون، وأرادوا أخذه ليواروه، فمنعهم الوالي وطلب منهم ثلاثةآلاف درهم فضة، ولم يمكنهم من شيله حتى صالحوه على ألف وخمسمائة) (3) ، والمثل يقول: فوق حقه دقه، فالوالي يقتل لإيناس قحبته، ثمَّ يبيع الجثة بيعًا، فتأمل، والعجب أن الأمر بعد مائتي سنة كاملة يتكرر في صورة من الصور المقابلة لذاك الاستهتار، وحكايات اليوم في اعتقال الناس وفك أسرهم بفدية ثلاثة آلاف دولار ومضاعفاتها أكثر من ألف حكاية كل موسم، وبلغ الأمر في العراق أن رسول الديمقراطية الضابط الأميركي يفعلها مع المستضعفين، لكن ليس لنا جبرتي يؤرخ للقهر والجبر.
(1) الفردة: نوع من الضرائب، وكذا التعيين.
(2) تاريخ الجبرتي 3/46.
(3) تاريخ الجبرتي 3/27.