فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 74

وما كانت غير سنة واحدة بعد ذلك الموقف واللبث مع الثوابت الدعوية: حتى أظهرت الأقدار الميزة الكبرى الثانية لمحفوظ، يوم حصل الاختلاط، وصِيحَتْ صيحات الثأر والهدم والدم، وأصاب الناس الرعب، فأبى"محفوظ"التورط، ولاذ بالعفاف والبراءة من الدم، والتمس أسباب السكينة والطمأنينة ليشيعها بين جماعته وعموم الناس، وآمن بالحوار،والسلام، وثبت عند الرؤية الحضارية، ونبذ العنف، وأدرك أن تراكم مفردات العمل الحضاري المنطلق من المعايير الإيمانية هو الكفيل بإنقاذ الجزائر من وهدتها، في خطة طويلة الأمد، لكنها مأمونة العواقب، وجازفت عناصر الغوغاء بذبح بوسليماني-رحمه الله-، مستفزة له محاصرة له في الزاوية الضيقة، لينفجر ويكون شريكًا في الخطأ، فكان رحيما بالدعوة وبالجزائر وبمنافسيه الذين ابقوا الخنجر محمولًا في كفوفهم يقطر منه الدم، وأنزل الله السكينة على قلبه، وتحالم، وكبت، ولعن الشيطان، واعتصم بالرحمن، وعارض بكفه العاصفة، فتكسرت ريحها العاتية، وبقيت تتناقص حدتها، وحافظ على جماعته أن يبددها جهل وردود فعل انتقامية، وكتب التاريخ الإسلامي قصة ثانية من قصص"محفوظ"يلقى بها ربه واثقًا معتدا.

ثم يأتي متبطر ظالم لنفسه وللناس ليقول: أخطأ"محفوظ"في خطبته يوم كذا، وصرح بما لا نرضاه في الصحيفة الفلانية، وصَدق وإنا على ذلك من الشاهدين، ورصدت لمحفوظ زلات لسان وتعابير مفضولة وكلمات مرجوحة، ولكن أين هذه الصغائر من تلك (الكبائر الخيرية الإيمانية الواعية) التي وفق لها وألهمها الله إياها إلهاما؟

لقد كان محفوظًا بحفظ الرحمن، وبشريته التي وقف عندها الناقدون تجاوزتها ملائكيته التي حلق بها في السماء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت