فهرس الكتاب
احتاجته الدعوة مرارًا لبيان عذرها وتعيين المطلوب وترشيح نفسها للقيادة، وهو جذر ما اعلنتُه في فتواي حول الغزو الأميركي للعراق من انعدام (الأمن الجهادي) وقولي بعدم عينية الجهاد، لمزاجية"صدام"وانحراف رجاله وضباط مخابراته، مما خفت معه التلاعب بمصير المجاهدين الوافدين من خارج العراق، وقد كان ذلك وحصل ما خفته، ويقارن ذلك أيضًا بأحوال الجهاد الأفغاني وجناية بعض قياداته عليه، ممن أبدى جهالة بالغةً وأنانية.
وما زال هذا الجهر بمثل هذه الحقائق غامضًا عند المستعجلين المتهورين، ولا يفهمونه، بل ولا يريدون فهمه، وهذا مظهر من مظاهر محنة دائمة في المجتمع الإسلامي منذ القديم، إذ أن وعي الدعاة ممن نزل إلى الساحة ولبث طويلًا مع العلم والتعليم والإصلاح يترجمه قول صريح لهم يخرج مخرج النصيحة للآخرين، ويكونُ صادرًا من أعماقِ بيئة التجريب والمعاناة، لذلك لا يفهمه الطارئ والهامشيُّ والظاهريُّ ومن يلبثُ عند السطح ولا يغوصُ، فيستغربه وينكرهُ ويُكذبهُ، وتلك هي الملاحظة التي لاحظها ابن عقيل الحنبلي ثانيةً فقال: (يخطر بقلوب العلماء نوعُ يقظة، فإذا نطقوا بها وبحكمها: نفرت منها قلوب غيرهم، ولو من العلماء، ولا أقول: العوام) (1) .
فالدعاة من العلماء لهم طول تدبر، وتجريب، وغوص إلى أعماق القلوب وأفعالها، فيرون ما لا يرى المستعجل، وإذا أرادوا وصف ذلك لعلماء الظاهر فضلًا عن العوام: استغربوه وأنكروه، وقد لقنتنا الأيام درسًا: أن نترفق في عرض المفاهيم الحساسة والتجارب الدقيقة على من لم يحز مثل معاناتنا ومعانينا، ولكنَّ مأساة الدماء هي التي تجبرنا على أن نتجاوز الخطوط الحمراء والحدود الحساسة، ونعلمُ أنَّ أنوفًا ستشمخ إذا قرأت أحرفنا هذه، أو تتوجه إلى صدورنا رصاصات غبية ربما، ومع ذلك نجهرُ بمفاد الوعي تشجيعًا لبقية العقلاء أن يجهروا بالإنكارِ كجهرنا، لعلّ متهورًا يتئدْ.
(1) الآداب الشرعية 1/314.