فهرس الكتاب
وفي درس"محفوظ"الثاني عبرة أوفى، يوم امتص الصدمة الدموية فلاذ بالتعقل ونظر إلى سوء المنقلب إذا سلك مسلك الهابطين، فخاف من نتيجة داكنة اللون مرة الطعم، فكان منه العفاف، فهذا هو الصبر الأصعب، لأن التخطيط التربوي كانت تنضجه ظروف هادئة، بينما في الصبر الثاني دماءٌ واستفزاز وفراق أحبة، والعراق اليوم فيه مثل ذلك الاستفزاز، واللائق أن نحرص على تقديم نموذج في العمل الإسلامي عالي المواصفات، منطقي المحاورات، عقلاني التعامل مع الشذوذ والنشاز والدروب العوجاء والخطوات العرجاء، ومن أول ذلك أن نعترف بان مشكلتنا ليست مع الجمهور الأعظم من دعاة الإسلام على اختلاف مسميات جماعاتهم وطرائق فهمهم، ولا مع قيادات الجهاد والمقاومة، وإنما هي مع مجاميع صغيرة يسودها التوتر دون الفكر، وقيادات لهذه المجاميع الصغيرة تسيرها مصالح خاصة وفوضوية، وقد تصدرت قبل أن تنضجها تربية أو تسعفها تجربة أو يحتضنها محراب، وكان ابن عقيل الفقيه الحنبلي قد قال: (نعوذ بالله من طفيلي تصدَّر بالوقاحة) ، فأعراف المؤمنين تأبى أن تجعله مكافئًا موازيًا للمخضرمين والسادة النجباء وأشراف الجهاد العشائري وتلامذة المنابر الشرعية، وفي تاريخ الجهاد السابق في أقطار أمة الإسلام شيء من هذا، فنشأت من فقهاء المجاهدين تحذيرات لنا ووصايا تستند إلى تجاربهم، كالذي كان من الفقيه الليبي الأديب أبو بكر بن لطيف الذي نجهل سنة وفاته، ولكنه عاصر الجهاد ضد الطليان، فقد (كان محبًا لاقتناء الكتب، ميالًا إلى حديث السياسة، ربما لأنه كان من أسرة ذات صلة بالبلاط العثماني، وكان يكره الفاشيين، ويثني على المجاهدين بخير، ويلعن الفرقة التي مكنت للطليان .. وكان يرجع خذلان المجاهدين للزعماء الجهلة ذوي الأنفس المريضة) (1) ، واكتشافه هذا لجريرة الزعماء الجهلة إنما هو مَعلم من معالم تطور فقه الدعوة وميزان دعوي مهم في الكتلة التجريبية الدعوية،
(1) أعيان علماء ليبيا - ص407.