فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 74

وطريقة"العصف الذهني"عند أهل الإبداع صحيحة في مجملها، ولها عاضد من التجريب الذاتي في ممارساتنا، ثمَّ وجدتُ لها اصلًا وجذرًا في طرائق أئمتنا من السلف المجتهدين المبدعين، وذلك واضح فيما(قال سفيانُ بن عُيينة: مررتُ بأبي حنيفة وهو مع أصحابه في المسجد وقد ارتفعت أصواتهم، فقلتُ: يا أبا حنيفة: هذا في المسجد والصوت لا ينبغي أن يُرفع فيه؟

فقال: دعهم، لأنهم لا يفقهون إلا بهذا) (1) .

والشاهدُ في قول أبي حنيفة: لأنهم لا يفقهون إلا بهذا، فهو صريحٌ في أنه يؤمن بأنَّ رفع الصوت ضرورة لحصول ومضات الفقه، ورفع الصوت هنا إنما هو كناية عن كتلة من التحديات والاعتراضات المتأججة بين أصحاب أبي حنيفة، والردود والتوهيم والافتراق والموافقة، بحيث ينطق الكل في وقتٍ واحد، أو تعاقبٍ سريع، فتنشأ ضوضاء وصيحات مختلطة، يبرز من بين عنفوانها الصواب الإبداعي الاجتهادي، وتلك هي صفة"العصف الذهني"لمن ذاقها، وهي بضاعة إسلامية إذًا رُدتْ إلينا، ونحن أولى بها من أميركي وأوربي وياباني.

وليس من وصف الإبداع الناجح أن يتناول حتمًا قضيةً كبيرةً أو أن يكتشف سرًا خطيرًا، بل في كثير من يوميات الحياة المنسابة قابلية لأنْ تجر صاحبها إلى إبداع فيها، ومن ابرز أمثلة هذا الإبداع الذي تجلى لي عبر اطلاعاتي التاريخية خبر فقيهٍ مصري قبل قرنين كان يحرص على تعليم العامة السُذج البسطاء أُصول الإيمان، هو الشيخ العلامة مصطفى العقباوي المالكي، فقد كان (إنسانًا حسن الأخلاق، مقبلًا على الإفادة…متورعًا متواضعًا، ومن مناقبه أنه كان يحب إفادة العوام، حتى أنه كان إذا ركب مع المكاري: يعلمه عقائد التوحيد وفرائض الصلاة) (2) .

(1) الآداب الشرعية 3/397.

(2) تاريخ الجبرتي 3/145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت