فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 44

أما المانعون فالأمر عندهم واضح؛ إذ إنهم يميزون بين هذين وهذين، ودليلهم: تواتر المسلمين العملي المؤيد بكلام العلماء والمؤرخين من السابقين واللاحقين، والله المستعان.

وقبل أن أختم الكلام عن هذا الاستدلال أشير إلى ثلاثة أمور:

الأول: قد يقول قائل: هل يمكن توجيه شهادة الشهود الجدد في ضوء كلام أهل العلم الثقات المتقدمين والمتأخرين؟

والجواب: من خلال العرض السابق اتضح أن تخطئة المشايخ وأهل العلم السابقين واللاحقين لا يمكن القول بها مطلقا؛ إذ لا مقارنة بين قوة شهادة أهل العلم والتي تأيدت بكلام العلماء والمؤرخين -مما سبق بيانه- وبين هذه الشهادات الجديدة؛ فلم يبق إلا نسبة الوهم إلى الشهود الحاليين، وقد أوردت سابقا إيرادات تدل على ضعف شهادتهم.

وإحسانا للظن بهم يقال: قد يكون سبب الوهم منهم أحد أمرين: إما أنهم خلطوا بين الصفا وأبي قبيس، وبين المروة وقعيقعان؛ فظنوا أن الذي شاهدوه كبيرا متسعا نحو الشرق: الصفا والمروة، والواقع أنهما جزآن من أبي قبيس وقعيقعان -الجبلين الكبيرين المشرفين على المسجد وعلى الصفا والمروة-.

أو أن يكون قد اشتهر عند العامة في الفترة الماضية -إبان الفترة التي أدركها أولئك الشهود وما قبلها- إطلاق اسمي الصفا والمروة لا على القطعة المخصوصة من أبي قبيس وقعيقعان وإنما عليهما جميعا أو على قدر منهما أكبر من الواقع؛ فيكون من باب إطلاق اسم الفرع على الأصل لشرفه، وهو -إن صح- اصطلاح حادث لا يغير من الحقائق الشرعية شيئا.

أقول: لعل هذا هو سبب دخول الوهم على الشهود.

ويؤكد حصول الوهم -علاوة على ما مضى- أنه لم يذكر المتقدمون وجود بيوت مسكونة على الصفا والمروة، وإنما ذكروا هذا على أبي قبيس وقعيقعان، وهذا قد ذكره غير واحد؛ ومنهم ابن جبير في رحلته (89) حيث قال عن أبي قبيس: (وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت