فهرس الكتاب
وأضيف إلى ذلك: أن تطبيق هذه القاعدة (المثبت مقدم على النافي) في هذا الموضوع غير وارد؛ وذلك أن هذه القاعدة إنما تورد إذا أثبت أحد الطرفين ونفى الآخر علمه؛ فيكون المثبت مقدما على النافي؛ وأما مسألتنا هذه فليس قول المانعين فيها من باب نفي العلم؛ بل من باب العلم بالنفي؛ وبينهما فرق شاسع؛ فلا محل للقاعدة إذن.
وتوضيح ذلك: أن كلا الفريقين مثبت؛ هذا يثبت قدرا، وهذا يثبت قدرا أكبر؛ فكلاهما إذن مثبت؛ وليس منهما نافٍ.
على أنه يمكن جوابهم بقولهم -من باب المعارضة- بأن تُعكس القضية؛ فيقال: من أثبت الحد الأدنى أثبت عن علم، والنافي لذلك يقال له: المثبت مقدم على النافي!
الاستدلال الثاني: الاستدلال بامتداد جذور الصفا والمروة في باطن الأرض.
فبعض القائلين بالجواز يستدل بأن الحفريات قد أثبتت أن للصفا والمروة امتدادا في باطن الأرض؛ وبناء عليه فيجوز السعي في التوسعة لكون الساعي قد سعى بين الصفا والمروة في القدر المدفون تحت الأرض.
والجواب: أن هذا الاستدلال فيه من التكلف ما فيه، ولم يأمرنا ربنا أن ننقب في باطن الأرض حتى نمتثل ما شرعه لنا في قوله: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) .
ويكفي في رد هذا الكلام المتكلف أن يقال: إذا ثبت أن للصفا والمروة امتدادا في باطن الأرض شرقا وغربا؛ فإن لهما امتدادا -أيضا- شمالا وجنوبا؛ وباتفاقٍ لا يصح أن يقال بأنه يجوز أن ينتقص الساعي من المسافة التي بين الصفا والمروة بحجة أن ثمة امتدادا للصفا في باطن الأرض من جهة الشمال، وامتدادا للمروة من جهة الجنوب؛ فيكون ساعيا بين الصفا والمروة في القدر المدفون تحت الأرض!
فظهر بهذا ضعف هذا الاستدلال.
الاستدلال الثالث: أنه لا تحديد لعرض المسعى في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم.