فهرس الكتاب
هكذا ذكر بعضهم؛ وهو كلام ظاهر الضعف بحيث يُستغنى عن رده.
ومع ذلك يقال: أين هذا القائل عن قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ؟ أليس هذا تحديدا واضحا؟ محل السعي بيِّن في هذه الآية؛ وهو ما بين الصفا والمروة، ومن لم يسع بينهما كان ساعيا بجوارهما لا بينهما؛ وهذا خلاف ما في الآية.
ثم هو أيضا المحل الذي سعى فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو القائل: (خذوا عني مناسككم) أخرجه مسلم.
ويقال ثالثا: هو المحل الذي أطبق المسلمون على السعي فيه عبر مراحل تاريخهم؛ فهو إجماع عملي لا شك فيه.
ويقال رابعا: يلزم من هذا القول أن كلام العلماء في تحديد المسعى -وقد نقلت طرفا منه- ما هو إلا عبث منهم وتكلف!
ويقال خامسا: إن هذا القول يلزم منه أن المسلمين -علماء وعامة- قد أطبقوا على التضييق على أنفسهم في أمر لهم فيه فسحة؛ فالناظر في كلام العلماء يجد أن الشكوى من الزحام في المسعى قديمة؛ فلماذا إذن رضوا بهذا الزحام وكان يمكنهم أن يسعوا في مساحة لا تُحد عرضا؟
ومن غرائب ما قرأت في هذا الموضوع: أن أحدهم يقول: إنه يمكن أن يسعى الساعي حيث شاء دون تقييد بحدود معينة؛ غير أن المهم هو أن يلصق قدمه بجبلي الصفا والمروة! هكذا قال، ولازم هذا أنه يمكن أن يسعى الساعي مشرقا حيث شاء -لأنه لا تحديد شرعا- ثم يعود إلى الصفا والمروة حتى يلصق قدمه به؛ فهل يقول عالم بذلك؟! وهل فعل هذا أحد من المسلمين قط؟
الاستدلال الرابع: قياس جواز توسعة المسعى على جواز توسعة المطاف.
والمتأمل في هذا القياس أدنى تأمل يدرك أنه قياس مع الفارق؛ فهو فاسد الاعتبار. وبيان ذلك: