فهرس الكتاب
و لكن رحمة المسلم المؤمن بالله ربًا رحمانًا رحيمًا ، تختلف اختلافا كليًا ،في منشأها فهي منبثقة من تصور صحيح ناشئ من عقيدة إيمانية سليمة ، عقيدة بالرحمة مغلفة ، وشريعة بالرحمة مكلفة ، فإيماننا بالله - عز وجل - مبناه على كونه ربًا له الأسماء الحسنى ، وللرحمة خلق ، وبرحمة أمر ، فوقع المسلم بين رحمة الخلق ورحمة الأمر قال - عز وجل - { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} (غافر: من الآية7) ، فما خلق إلا بعلم يقتضى الحكمة التامة ورحمة من آثارها الإحسان العام.
فالعقيدة المبنية على معرفة الله - عز وجل - بأسماء البر والرحمة تفيض بالرحمة من قلبه ليس مجرد انفعال عابر ، أو رد فعل غابر ، غير مؤسس على أصول اعتقادية سليمة ، سرعان ما ينطفئ بريقه ، ويمتص رحيقه ، فيصير أثرًا بعد عين ، لا ينبض بروح ، ولا يخفق بقلب ، فما هو إلا عابر في غابر.
أما رحمة المسلم الموحد العارف بربه - عز وجل - زادت على رحمة الرحماء من سائر الأمم والملل برحمة الأمر ، فهو مطبوع على الرحمة خلقًا،و بصفة الرحمة معتقدًا (1) ،بل ومأمور برحمة الخلق شرعًا (2) .
تذكر رحمنا الله وإياك أن مصدر الرحمة في قلبك هو رحمة أرحم الراحمين بك فرحمك:
أنك على الرحمة مطبوع خلقًا .
أنك بصفة الرحمة لله - عز وجل - تؤمن حقًا .
أنك برحمة الخلق مأمور شرعًا.
فعالية الرحمة:
ونقصد بفعالية الرحمة ، أنها ليست نظريات عقدية ، يصعب تناولها عمليًّا ، بل هي منهج حياة ، بل هي رسالة كونية بُعث بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرحمة العالمين كما مر بنا.
(1) وهذا قد سبق بيانه في الباب (5) إثبات ما دل عليه الاسمان من الصفات عمومًا و ( صفة الرحمة ) خصوصًا والرد على من أنكرها.
(2) وهذا ما سبق بيانه في الباب (11) الفقرة ( أ ) خُلق الرحمة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .