فهرس الكتاب
وقد ضرب إمام العابدين وسيد المحققين محمد - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في الثناء والدعاء (1) إذ كان رجاؤه في الله أعظم رجاء وأكمله، ومعرفته بالله أكمل معرفة ، والله ( سبحانه يحب من عباده أن يؤملوه ويرجوه ويسألوه من فضله ، لأن الملك الحق الجواد أجود من سئل وأوسع من أعطى ، وأحب ما إلى الجواد أن يرجى ويؤمل ويسأل ) (2) إذ في الدعاء إظهار للحاجة والذل وهذا محض العبودية ، واعتراف لله بالملك والغنى وسائر صفاته ربوبيته وألوهيته - سبحانه وتعالى - .
ثالثا: أثر الرجاء في تحقيق عبودية سائر الجوارح:
من تأمل رحمته - سبحانه وتعالى - وواسع حلمه ورأفته ؛ انصرف بكليته إليه ، متعلقا به ، باذلا أسباب رضاه ، فالرجاء و ( يورث طول المجاهدة بالأعمال ، والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال ) (3) ، فلا يزال العبد متقربا إلى الله بما يرضيه ، متحملا (كل مكروه في القيام بحقه الذي ينال به ما وعد من جزيل ثوابه ) (4) ، بل أنه إذا قوي رجاءه تلذذ بدوام الإقبال على الله والتنعم بمناجاته والتلطف في التملق له (5) .
والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه ، ومن ذكر نعمائه عليهم ، ومن ذكر ما وعدهم في الآخرة من صنوف النعيم مما يبعث الرجاء في قلوبهم ويدفعهم إلى تجنب ما يسخطه وتتبع ما يرضيه ويكونون بهذا عبيده حقا وصدقا .
(1) راجع كتاب فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء ، لمحمد الغزالي ؛ لتعيش مع ذلك القلب النابض بحب الله العامر برجاء الله- جل جلاله - .
(2) مدارج السالكين لابن القيم ( 2 / 50 ) .
(3) إحياء علوم الدين للغزالي (4 / 125 ) .
(4) الرعاية لحقوق الله للمحاسبي ص531 .
(5) انظر إحياء علوم الدين للغزالي ( 4 / 125 ) .