فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 61 من 81

سمعتُه يقولُ: كنتُ أبيتُ بـ: "بغدادَ" في المساجدِ، وآكلُ خبزَ الدُّخْنِ.

قالَ [أي: الرُّهاوي] : وسمعتُ أبا الفضْلِ بن بُنَيْمانَ الأديبَ يقولُ:

رأيتُ أبا العلاءِ العطَّارَ في مسجدٍ من مساجدِ بغدادَ يكتُبُ وهو قائمٌ؛ لأنَّ السِّراجَ كان عاليًا...

فَعَظُمَ شَأنُهُ في القلوبِ؛ حتَّى إنْ كان لَيَمُرُّ في: "هَمَذَانَ"، فلا يبقى أحدٌ رآهُ إلاّ قامَ، ودعا لَهُ؛ حتَّى "الصبيانُ"، و "اليهودُ"، وربَّما كانَ يمضي إلى بلدةِ: "مُشْكانَ" يصلِّي بها الجمعةَ؛ فيتلقَّاهُ أهْلُها خارجَ البَلَدِ؛ "المسلمونَ" على حدةٍ، و "اليهودُ" على حدةٍ، يدعونَ لَهُ، إلى أنْ يدخلَ البلدَ.

وكانَ يُفْتَحُ عليهِ من الدُّنيا جُمَلٌ ، فلم يَدَّخِرْها، بَلْ يُنْفِقْها على تلامذتِه، وكانَ عليهِ رسومٌ لأقوامٍ، وما كانَ يبرحُ عليه: (ألفُ دينارٍ) "هَمَذَانيةٍ"، أو أكثر من الدَّيْنِ، مع كثرةِ ما كانَ يُفْتَحُ عليهِ.

وكانَ يطلبُ لأصحابِهِ من الناسِ، ويعزُّ أصحابَه، ومنْ يلوذُ به، ولا يحضرُ دعوةً حتَّى يحضرَ جماعةُ أصحابِه، وكانَ لا يأكلُ من أموالِ الظَّلَمةِ، ولا قَبِلَ منهم مدرسةً قطُّ، ولا رباطًا، وإنَّما كانَ يُقْرىءُ في دارِهِ، ونحنُ في مسجدِهِ سُكَّانٌ.

وكانَ يُقْرىءُ نصفَ نهارِهِ الحديثَ، ونصفَهُ القرآنَ، والعلمَ، ولا يَغْشَى السلاطينَ، ولا تأخذُهُ في اللهِ لومةُ لائمٍ، ولا يُمَكِّنُ أحَدًا في محلَّتِهِ أن يفعلَ منكرًا، ولا سماعًا، وكانَ يُنَزِّلُ كلَّ إنسانٍ منزلتَهُ، حتى تأَلَّفت القلوبُ على محبَّتِهِ، وحسنِ الذكرِ لَهُ في الآفاقِ البعيدةِ، حتَّى أهلُ "خُوارَزْمَ"، الذينَ هُمْ "مُعْتَزِلَةٌ"، مع شدَّتِه في "الحَنْبَلةِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت