قال الشيخ: أبو عبدالله [وهو أخو شيخ الإسلام] لو أراد الشيخ تقي الدين ـ رحمه الله ـ أو غيره؟ حصرها ـ يعني مؤلفات الشيخ ـ لما قدروا؛ لأنَّه مازال يكتب وقدْ مَنَّ اللهُ عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه من غير نقل.
وأخبرني غير واحد: أنَّه كتب "مجلدًا لطيفًا" في يوم، وكتب غير مرة "أربعين ورقة" في جلسة وأكثر، وأحصيت ما كتبه، وبيضه في يوم، فكان "ثمان كراريس" في مسألة من أشكل المسائل، وكان يكتب على السؤال الواحد "مجلدًا".
وأمَّا جواب يكتب فيه "خمسين" ورقة، و "ستين"، و "أربعين"، و "عشرين"، فكثير.
وكان يكتب الجواب، فإن حضر من يُبَيِّضه، وإلا أخذ السائل خَطَّه وذهب.
ويكتب قواعد كثيرة في فنون من العلم، في "الأصول"، و "الفروع"، و "التفسير"، وغير ذلك، فإن وجد من نقله من خطِّه، وإلا لم يشتهر، ولم يعرف. وربما أخذه بعض أصحابه، فلا يُقْدَر على نقله، ولا يَرُدّه إليه فيذهب.
وكان كثيرًا ما يقول: "قد كتبت في كذا، وفي كذا".
ويُسئلُ عن الشيء؛ فيقول: "قد كتبت في هذا". فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه ويقول ردُّوا خَطِّي، وأظهروه؛ لينقل. فمِن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه؛ فيذهب، ولا يعرف اسمه.
فلهذه الأسباب ـ وغبرها ـ تعذَّر إحصاء ما كتبه، وما صنفه.
وما كفى هذا إلا أنه لما حُبِس تَفَرَّق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخَوَّفُوا أصحابه من أن يظهروا كتبه؛ ذهب كل أحد بما عنده، وأخفاه، ولم يظهروا كتبه. فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه، أو يَهَبَهُ، وهذا يخفيه، ويودعه، حتى إنَّ منهم من تُسرق كتبه، أو تُجْحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها، فبدون هذا تتمزق الكتب، والتصانيف، ولولا أن الله ـ تعالى ـ لطف، وأعان، ومنَّ، وأنعم، وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه، وتصانيفه؛ لما أمكن لأحد أن يجمعها.