فهرس الكتاب
والأهم فالأهم (1)
(1) - (أ) من الأولويات والأمور الأهم التي تفوت علينا أحيانًا مسألة التذكير بالتوبة في مواسم الخير مثل شهر رمضان والعشر الأواخر فيه وعشر ذي الحجة وغيرها, حيث نجد التذكير مركزًا على الازدياد في النوافل والسنن والأذكار والصدقات وفضائل الأعمال, ويقل التركيز على التذكير بالتوبة والبعد عن المعاصي وأداء الواجبات المفروضة مع أنها أهم الأعمال وأحب الأعمال إلى الله, خاصة في هذا الواقع الذي بعدت فيه الأمة وتهاونت في كثير من الأحكام الواجبة وانتشرت فيه الكثير من المعاصي, فكما ورد في الحديث القدسي الصحيح: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضته عليه..) صحيح البخاري, وفي الحديث أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (اتق المحارم تكن أعبد الناس) "حسنه الألباني في صحيح الترمذي, وفي الأثر عن ابن عمر رضي الله عنه: (لرد دانق من حرام أحب إلى الله من إنفاق مائة ألفٍ في سبيل الله) ."
أيضًا يفوت علينا أحيانًا التذكير بالتوبة والالتزام بأوامر الدين عند الحديث عن بعض العبادات وحِكَمِها, مثل الحج والعمرة, والأضحية!!, وصيام رمضان, وقراءة القرآن وواجبنا تجاهه, وصيام التطوع في مواسمه المختلفة, والأذكار وغير ذلك, مع أن التوبة من أعظم وأهم حِكَم هذه العبادات.
بل إن التركيز في المواسم على فضائل الأعمال, وعدم التذكير بحكمة التوبة عند الحديث عن بعض العبادات قد يؤدي إلى تكريس رضا الأمة بواقعها الذي بعد كثيرا عن الالتزام بالدين, بحيث يمكن أن يتربى في فكر الفرد المسلم (بشكل غير مباشر) أنه يكفيه أن يتقرب إلى الله بفضائل الأعمال في المواسم وغيرها بينما هو مستمر في إصراره على ذنوب لا يرضاها الله سبحانه وتعالى, أي تحصل لديه اتكالية كبيرة على فضائل الأعمال التي يقوم بها,... ( ومن المهم أن نُذكِّر بأن من علامات قبول الأعمال التوبة والأوبة بعدها ) .
(ب) أيضًا عندما يتحدث داعية لأفراد مجتمعاتنا في هذه الأيام عن حديث البطاقة بدون أن يتكلم عن شروط لا إله إلا الله,... أو عندما يُذَكِّر في موعظة عن سعة رحمة الله ومغفرته بدون أن يُستدرك في الأخير ويُنبه على أن سعة رحمة الله يجب أن لا تنسينا أنه سبحانه شديد العقاب؛.. فتزيد بذلك الاتكالية!.
كما أن تذكير الأمة بأجر بعض السنن التي تكفر الذنوب مثل صيام يوم عرفه ينبغي أن ينبه فيه إلى أن العلماء ذكروا أن ذلك لا يشمل الكبائر, وحبذا لو ذكرنا بأن من الكبائر الإصرار على الصغائر كما بين ذلك سابقا,...وأيضا بعض الأحاديث مثل: (كان على الطريق غصن شجرة يؤذي الناس فأماطها رجل فأدخل الجنة) قد تحتاج عند ذكرها للبعض توضيح أن ذلك لا يعني التواكل وترك باقي أوامر الشرع أو التساهل بها.
(ج) ومثل آخر على تفويت الأولويات وموازنتها أن نجد بعض الأفاضل ممن لا نشك كما نحسبهم في مدى تقواهم وصدقهم فتجدهم يجتهدون ويبذلون الأموال من أجل الاعتكاف في الحرم الشريف في العشر الأواخر ويفوت عليهم سعيهم لدعوة أهلهم وأقربائهم في موسم العيد (بتجهيز وشراء ما يمكن أن يوزع عليهم من وسائل الدعوة في فترة العيد, أو بغير ذلك من طرق ووسائل الدعوة) مع أن الدعوة والبذل لها واجب أهم من الاعتكاف (ولا شك أن الاعتكاف عبادة تربوية عظيمة,وذات أهمية كبيرة) .
(د) ومثل آخر على تفويت الأولويات ما يحدث أحيانًا من حماسٍ لتوزيع أشرطة أو كتيبات أو مطويات أو أي وسيلة أخرى لا تتحقق فيها الأولوية الدعوية من حيث أثرها في الدعوة وإحداث التأثر والتوبة والتغيير على حساب الأشرطة والوسائل الأهم في التذكير والإصلاح. فتوزيع ما يحوي مَثْلَ قصص التائبين ووصف الجنة وأحوال الآخرة والتذكير بعظمة الله ومعاني العقيدة أهم وأكبر أثرًا من توزيع ما يتعلق بفتوى عن قضية محددة أو الأذكار (مع عدم إنكار أهمية توزيع كل ما ذكر, ولكن المسألة هي على ماذا نركز ونبذل الجهد الأكبر) ,.... وللجمع بين الخيرين!! فليتنا مثلًا عندما ننشر كتيبا عن الأذكار نضيف فيه (في باطن غلافه أو صفحته الأولى أو الأخيرة) كلمة أو قصة تذكيرية عن التوبة (وبالذات قصص أو كلمات التائبين, فلها أثر عظيم وقد اهتدى أناسٌ كثيرون بسببها) .
(هـ) أيضًا عندما نُقدِّم بعض أنواع النوافل على عمل فيه خدمة للآخرين وإسعاد لهم, فالأخير هو الأهم وأجره أكبر,...واحيانًا نُقَدِّم ونسعى لبعض أنواع النوافل وننسى -أو تكون على حساب- واجبات مثل واجب الدعوة ونشرها.