فهرس الكتاب
إذًا ما هو المطلوب؟ المطلوب"أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرّها، وما يحب منها وما يكره وما يُحمد وما يُعاب" [1] فالمطلوب هو التبعية على أساس الندّية!!، لكنه لا يوضح لنا كيف تكون التبعية طريقًا للندية؟ أو كيف تؤسس الندية على ركام التبعية؟ مع أنه يقول صراحة:"نريد أن نتصل بأوروبا اتصالًا يزداد قوة من يوم إلى يوم، حتى نصبح جزءًا منها لفظًا ومعنى وحقيقة وشكلًا" [2] .
وكان قد جرى"تسويق"التغريب، بأنه يعفينا من الصدام الحضاري مع الغرب، يقول أحدهم على صفحات"المقتطف"؛"نحن من الذين يعتقدون أن الحضارة الغربية خير الحضارات التي يتعين علينا اقتباسها، كما أننا من الذين ينظرون إلى الأمر الواقع فيرون أنها هي الحضارة السائدة في العالم، ونحن من الذين يعتقدون أن طريق نجاتنا في مسالمة هذه الحضارة وتكييف حضارتنا عليها تكييفًا لا يناقضها بل يماشيها .. ذلك أن التاريخ يقص علينا قصص اصطدام الشرق بالغرب منذ العصور الأولى حتى الساعة، فما قص إلا حديث اصطدام كانت نهايته انهزام الشرق أمام الغرب، فالعاقل من اعتبر وعرف أن يتلمس طريقًا غير طريق جربه فقاده إلى مواطن الخطر" [3] !! وبعيدًا عن سعيه للتبرير التاريخي للتغريب، فإن الدعوة إلى تجنب الصدام الحضاري هي دعوة ليست إلى الحوار الحضاري الذي لا يرفضه عاقل، لكنها دعوة إلى حوار التبعية وليس الندّية.
وفي عقد الثلاثينيات ظهرت في مصر موجة من المراجعات الفكرية في صفوف التيار الليبرالي، طالت عددًا من أبرز رموزه، كان من مظاهرها توجيه نقد لاذع لحضارة الغرب ولحركة التغريب.
(1) طه حسين مستقبل الثقافة في مصر، ص39.
(2) م. ن، ص 33.
(3) سامي الجريديني،"النهضة الشرقية الحديثة"، المقتطف (القاهرة) ، م70، جـ2، 1 فبراير (شباط) 1927، ص 134 - 135.