الصفحة 109 من 156

ـ ويقول سيّد قطب [1] :

إنّ المجتمع شديد الحساسية، وفي حاجة إلى آداب اجتماعية تتفق مع هذه الحساسية. ورب كلمة عابرة لا يحسب قائلها حسابًا لما وراءها؛ ورب شائعة عابرة لم يرد قائلها بها إلا فردًا من الناس. . . ولكن هذه وتلك تترك في نفسية المجتمع وفي أخلاقه وفي تقاليده وفي جوه آثارًا مدمرة؛ وتتجاوز الفرد المقصود إلى الجماعة الكبيرة.

والجهر بالسوء من القول ـ في أية صورة من صوره ـ سهلٌ على اللسان ما لم يكن هناك تحرج في الضمير وتقوى لله. وشيوع هذا السوء كثيرًا ما يترك آثارًا عميقة في ضمير المجتمع. . . كثيرًا ما يدمر الثقة المتبادلة في هذا المجتمع فيخيل إلى الناس أن الشر قد صار غالبًا.

وكثيرًا ما يُزين لمن في نفوسهم استعداد كامن للسوء، ولكنهم يتحرجون منه، أن يفعلوه لأن السوء قد أصبح ديدن المجتمع الشائع فيه، فلا تحرج إذن ولا تقية، وهم ليسوا بأول من يفعل! وكثيرًا ما يذهب ببشاعة السوء بطول الألفة. فالإنسان يستقبح السوء أول مرة بشدة؛ حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره، خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه؛ وسهل على النفوس أن تسمع ـ بل أن ترى ـ ولا تثور للتغيير على المنكر.

إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية ـ سبًّا وقذفًا ـ وينتهى انحلالًا اجتماعيًا؛ وفوضى أخلاقية؛ تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفرادًا وجماعات؛ وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض؛ وقد شاعت الاتهامات؛ ولاكتها الألسنة بلا تحرج.

لذلك كله كره الله للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء. وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم؛ يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم؛ في حدود ما وقع عليه منه من الظلم!

لينتصف المجتمع للمظلوم؛ وليضرب على يد الظالم؛ وليخشى الظالم عاقبة فعله، فيتردد في تكراره. . والجهر بالسوء عندئذ يكون محدد المصدر ـ من الشخص الذي وقع عليه الظلم ـ محدد السبب ـ فهو الظلم المعين الذي يصفه

(1) في ظلال القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت