إنه التوجيه في أنسب حالة نفسية صالحة، إلى الدعاء والإنابة .. تضرعاَ وتذللًا؛ وخفية لا صياحًا وتصدية! فالتضرع الخفي أنسب وأليق بجلال الله وبقرب الصلة بين العبد ومولاه.
وعن أَبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، قَالَ: كنّا مَعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، في سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا أشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا وَارتَفَعَتْ أصْوَاتُنَا، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"يَا أيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فَإنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أصَمَّ وَلاَ غَائِبًا. إنَّهُ مَعَكُمْ، إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ". متفقٌ عَلَيْهِ. [1] (ارْبَعُوا: أيْ: ارْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ) .
فهذا الحسّ الإيماني بجلال الله وقربه معًا، هو الذي يؤكده المنهج القرآني هنا ويقرره في صورته الحركية الواقعية عند الدعاء. ذلك أن الذي يستشعر جلاله فعلًا يستحيي من الصياح في دعائه؛ والذي يستشعر قرب الله حقًا لا يجد ما يدعو إلى هذا الصياح!
والنفس التي تتضرع وتخشع خُفْيَةً للقريب المجيب، لا تعتدي كذلك ولا تُفسد في الأرض بعد إصلاحها .. فبين الانفعالين اتصال داخلي وثيق في تكوين النفس والمشاعر. والمنهج القرآني يتبع خلجات القلوب وانفعالات النفوس.
رابعًا ـ جاء حول قول الله سبحانه:"فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ". [2]
ـ في غريب الحديث لا بن قتيبة: [3]
فالعدوان الأول ظلم، والثاني قِصَاص. والقصاص لا يكون ظلمًا، وإنْ خرج لفظُه كلفظ الأول.
الفصل الرابع ـ الفساد والإفساد
وفيه: تمهيد، وتعريف الفساد والإفساد، وذمّ الفساد والإفساد في رحاب الكتاب العزيز، وذمّ الفساد والإفساد في رحاب السُنّة النبويّة، وأقوال في ذمّ في الفساد والإفساد.
تمهيد:
(1) البخاري في الجهاد، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير. ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب استحضار خفض الصوت بالذكر.
(2) البقرة: 194.
(3) ج: 1، ص: 82.