إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع، بل يضيفون اليهما السَّفَه والادّعاء:"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ".. لم يكتفوا بأن يَنْفُوا عن أنفسهم الإفساد، بل تجاوزوه إلى التبجُّح والتبرير:"قَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ"..
والذين يفسدون أشنع الفساد، ويقولون: إنهم مصلحون، كثيرون جدا في كل زمان. يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم. ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس، اختلت سائر الموازين والقيم. والذين لا يُخْلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم، لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية، ولا يثوب إلى قاعدة ربانية ..
ومن ثَمَّ يجيء التعقيب الحاسم والتقرير الصادق:"أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ"..
ويقول سيّد قطب:
وقوله تعالى:"ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل".."ويفسدون في الأرض"..
ورأس الفساد في الأرض هو الحيدة عن منهجه الذي اختاره ليحكم حياة البشر ويُصَرِّفَها. هذا مفرق الطريق الذي ينتهي إلى الفساد حتمًا، فما يمكن أن يصلح أمر هذه الأرض، ومنهج الله بعيد عن تصريفها، وشريعة الله مُقْصاة عن حياتها. وإذا انقطعت العروة بين الناس وربهم، على هذا النحو، فهو الفساد الشامل للنفوس والأحوال، وللحياة والمعاش؛ وللأرض كلها وما عليها من ناس وأشياء. انتهى.
"سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ". [1]
الفصل الخامس ـ الكِبْر والاستكبار
وفيه: تمهيد، وتعريف الكبر والاستكبار، وذمّ الكبر والاستكبار في القرآن الكريم، وأحاديث شريفة في ذمّ الكبر والاستكبار، وأقوال في ذمّ الكبر والاستكبار.
(1) رواه مسلم. باب التسبيح أوّل النهار، وعند النوم.