الأول: التكبر على الله؛ وذلك هو أفحش أنواع الكبر، ولا مثار له إلا الجهل المحض والطغيان، مثل ما كان من نمرود، فإنه كان يحدث نفسه بأن يقاتل رب السماء، وكما يحكى عن جماعة من الجهلة. بل ما يحكى عن كل من ادعى الربوبية مثل فرعون وغيره، فإنه لتكبره قال:"أنا ربكم الأعلى".
القسم الثاني: التكبر على الرسل من حيث تعزز النفس وترفعها على الانقياد لبشر مثل سائر الناس؛ وذلك تارة يصرف عن الفكر والاستبصار، فيبقى في ظلمة الجهل بكبره، فيمتنع عن الانقياد وهو ظانّ أنه مُحقّ فيه، وتارة يمتنع مع المعرفة، ولكن لا تطاوعه نفسه للانقياد للحق والتواضع للرسل.
القسم الثالث: التكبر على العباد؛ وذلك بأن يستعظم نفسه، ويستحقر غيره، فتأبى نفسه عن الانقياد لهم وتدعوه إلى الترفع عليهم، فيزدريهم ويستصغرهم ويأنف عن مساواتهم، وهذا وإن كان دون الأول والثاني فهو أيضًا عظيم من وجهين:
أحدهما: أن الكبر والعز والعظمة والعلاء لا يليق إلا بالملك القادر، فأما العبد المملوك الضعيف العاجز الذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق بحاله الكبر؟ فمهما تكبر العبد فقد نازع الله تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله.
الوجه الثاني: الذي تعظم به رذيلة الكبر أنه يدعو إلى مخالفة الله تعالى في أوامره، لأن المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عباد الله استنكف عن قبوله وتشمر لجحده، ولذلك ترى المناظرين في مسائل الدين يزعمون أنهم يتباحثون عن أسرار الدين ثم إنهم يتجاحدون تجاحد المتكبرين. انتهى.
وبمناسبة الحديث عن قوله سبحانه وتعالى:"إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ". [1]
جاء في تفسير الطبري:
(1) من سورة القَصَص.