الصفحة 135 من 156

تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء. حيث يكرههم الله، ويعاقبهم بما أثموا. وهي خيانة للنفس من غير شك .. وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم، هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة.

"إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا"...

وهذه عقوبة أكبر من كل عقوبة ... وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر. فالذين لا يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد، ولا أن يحامي عنهم أحد. وقد كرههم الله للإثم والخيانة!.

ـ ويقول سيّد تعليقًا على قوله سبحانه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [1] :

إن التخلي عن تكاليف الأمة المسلمة في الأرض خيانة لله والرسول ... كذلك يحذرها خيانة الأمانة التي حملتها يوم بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام. فالإسلام ليس كلمة تقال باللسان، وليس مجرد عبارات وأدعيات. إنما هو منهج حياة كاملة شاملة تعترضه العقبات والمشاق. إنه منهج لبناء واقع الحياة على قاعدة أن لا إله إلا الله؛ وذلك برد الناس إلى العبودية لربهم الحق؛ ورد المجتمع إلى حاكميته وشريعته، ورد الطغاة المعتدين على ألوهية الله وسلطانه من الطغيان والاعتداء؛ وتأمين الحق والعدل للناس جميعا؛ وإقامة القسط بينهم بالميزان الثابت؛ وتعمير الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن الله بمنهج الله ... وكلها أمانات من لم ينهض بها فقد خانها؛ وخاس بعهده الذي عاهد الله عليه، ونقض بيعته التي بايع بها رسوله.

ـ ويقول سيّد قطب عند تعليقه على قول الله سبحانه وتعالى:"وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ". [2] :

إن الإسلام يعاهد ليصون عهده؛ فإذا خاف الخيانة من غيره نبذ العهد القائم جهرة وعلانية؛ ولم يَخُنْ ولم يَغْدِرْ؛ ولم يَغُشّ ولم يَخْدَعْ؛ وصارح الآخرين بأنه نفض يده من عهدهم. فليس بينه وبينهم أمان ... وبذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة، وإلى آفاق من الأمن والطمأنينة ... إنه لا يُبَيِّت الآخرين بالهجوم الغادر الفاجر، وهم آمنون مطمئنون إلى عهود ومواثيق لم تُنْقَضْ ولم تُنْبَذ؛ ولا يروّع الذين لم يأخذوا حذرهم، حتى وهو يخشى

(1) في ظلال القرآن، الآية:27 من سورة الأنفال.

(2) في ظلال القرآن، تفسير الآية: 58 من سورة النفال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت