فضيلة التوكل
في إحياء علوم الدين [1] :
أعظِم بمقام موسوم بمحبة الله تعالى صاحبه، ومضمون كفاية الله تعالى مُلابِسُه، فَمَنِ اللهُ تعالى حَسْبُه وكافيه ومُحِبُّه ومراعيه: فقد فاز الفوز العظيم، فإن المحبوب لا يُعَذَّبُ ولا يُبعد ولا يُحجب.
وفي حلية الأولياء [2] : سمعت أبا إسحاق يقول: ... التوكل على ثلاث درجات: على الصبر، والرضا، والمحبة. لأنه إذا توكل؛ وجب عليه أن يصبر على توكله لمن توكل عليه. وإذا صبر؛ وجب عليه أن يرضى بجميع ما حكم عليه. وإذا رضي؛ وجب عليه أن يكون محبًا لكل ما فعل به موافقة له. انتهى.
وقال سهل التُّستَرِي [3] : من طعن في الحركة (يعني: في السعي والكسب) فقد طعن في السُّنة، ومن طعن في التوكل، فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حالُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والكسب سنَّتُه، فمن عمل على حاله، فلا يتركنّ سنته ... قال يوسف بنُ أسباط: كان يُقال: اعمل عمل رجل لا يُنجيه إلا عملُه، وتوكَّلْ توكُّلَ رجلٍ لا يُصيبه إلا ما كُتِبَ له ... انتهى.
وخاتمة لهذه الفقرة، أقول:
والناظر في سنّة نبيّنا ورسولنا الحبيب المصطفى محمّد صلى الله عليه وسلّم، يجد في حياته النموذج الأسمى للتوكل على ربّ العالمين. فهو صلى الله عليه وسلّم أعرف الخلق بالخالق سبحانه وتعالى، وهو أشدّ الناس خشية لله سبحانه، وأكثرهم تقوى لله تعالى، وهو أكملهم، وأحسنهم، وأفضلهم توكلًا على مولاه جلّ شأنه وتباركت أسماؤه.
ولنأخذ مثالا عن ذلك، توكله على الله مولاه سبحانه، يوم هجرته، صلى الله عليه وسلم.
فما من سبب من الأسباب الماديّة التي يستطيعها البشر، إلاّ أخذ به النبيُّ، صلى الله عليه وسلّم.
(1) ج3: بيان فضيلة التوكل.
(2) ج4: باب: إبراهيم الخوّاص.
(3) ج4: باب: سهل بن عبد الله التستريّ.