فهرس الكتاب
ومما يؤكد أهمية الموضوع أن المذاهب الإسلامية التي لم تنشأ إلا لتيسير استيعاب الشريعة، والمتانة الفقهية، والتقعيد الأصولي... أصابتها عوارض التعصب بعد حين، مما أحدث عند (البعض) ردة فعل إزاءها فتنكر لها، وحاول تكوين مذهب اللامذهب... وفي واقعنا المعاصر، نشأت حركات إسلامية باتجاهات معاصرة، ولكن سرت إليها عوارض مذهبية وقبلية مرضية في وقتٍ مبكر، نسبيًا، عند مقارنتها بالمذاهب؛ إذ تكاد هيمنة التعصب الحزبي، والعصبية القبلية الحركية، وتقديس نصوص مؤسسيها أو قادتها، أن تطمس أنوار الشريعة التي قامت أصلًا لنصرتها، ونشر تعاليمها، وجمع المسلمين حولها، قرآنًا وسنة... فإذا بها مع طول المدى تحاول جمع المسلمين حول نصوص قياداتها، وآرائهم، وفي هذه الأثناء تضيع معالم بارزة للدين، أولها: الأخوة الإسلامية العامة، حيث تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة، فالتعصب للأخوة الخاصة يلغي الأخوة العامة ويقضي على بهائها، وتحل الحالقة، ويتفرق المؤمنون في الدين...وقد أُمروا ألا يتفرقوا فيه .
وثانيها: يتلاشى النصح الصادق، ويختفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما لحق أشخاص قيادات الاتجاه الواحد وأقوالهم وأفعالهم من هالات التقديس، التي تنغرس مع الزمن في العقل الباطن لأتباعهم، ويحل محل ذلك التأويل لكل فعل يصدر عنهم، أو رأي يتبنونه، ويُتحيل باسم الدين للوصول إلى ذلك .
ولذا كان لا بد من دراسة هذه القاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف) دراسةً فقهيةً أصولية ودعوية ليستبين لطلبة الهدى مكامن الآفاق الرفيعة فيها، ولتحد من عبث الأهواء بمدلولها، ولتوقف من يقذف بها حيث شاء بما لم يقصده واضعوها...ولتُرْبَط بالتصور الإسلامي الكلي العام، والفقهي الخاص، فتكتمل بذلك جوانب المناقشة العلمية التي تؤدي إلى إخبات من وصله العلم .