فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 23

هناك من يستدرج العلماء، وهناك من يستغفلهم، وهناك من يلبس عليهم؛ ولذلك يجب على العالم أن يكون فطنا متنبها، كما قال عمر - رضي الله عنه -

"لست بالخب، ولا الخب يخدعني"، وهذا لا ينافي سلامة القلب، والأخذ بالظاهر، ولكنه يعني الحيطة والحذر.

4-أن يكون جريئا في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم:

الجرأة في الحق من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها العالم، بحيث ينكر المنكر، ويأمر بالمعروف، ويقول للمسيء: أسأت كائنا من كان ذلك المسيء، وللعلماء اليوم أسوة فيمن سلف من علماء الأمة.

ولنسق هنا ثلاثة أمثلة للجرأة في الحق، من عصور مختلفة:

المثال الأول: موقف أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مع مروان بن الحكم، عندما دخل مروان المصلى في يوم العيد، واتجه إلى المنبر ليخطب قبل الصلاة، فجذبه أبو سعيد، وقال منكرا عليه: غيرتم والله، فقال مروان: قد ترك ما هنالك.

هكذا أنكر عليه علانية، ولم يقل: أكتب له الإنكار في ورقة؛ ليكون نصيحة سرية بيني وبينه (1) .

المثال الثاني: موقف العز بن عبد السلام (سلطان العلماء) مع الملك الصالح أيوب.

كان الملك الصالح أيوب يتولى الشام، وبسبب خلاف بينه وبين أبناء عمه؛ تنازل للنصارى عن بعض الحصون. فلما خطب العز بن عبد السلام في جامع بني أمية بدمشق يوم الجمعة كان مما قاله:"اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر". وأفتى الناس بعدم جواز بيع الأسلحة للنصارى الذين أخذوا يشترونها من دمشق.

فغضب الملك، وسجن العز بن عبد السلام -ومن قبله سجن الإمام أحمد وكثير من العلماء-:

( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2) .

ثم أرسل الملك إلى العز في السجن أحد أعوانه وحاشيته، فقال له: أنا سأتوسط لك عند الملك ليخرجك، ولكني أريد منك شيئا واحدا فقط، وهو أن تعتذر إلي الملك وتقبل رأسه، فقال العز: دعك عني، والله لا أرضى أن يقبل السلطان يدي، عافاني الله مما ابتلاكم به، يا قوم أنا في واد وأنتم في واد.

(1) - وهذا لا ينفي أهمية النصيحة بالسر، ولكل حالة ما يناسبها، ولكل مقام مقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت