فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 23

وذهب الملك لمقابلة قادة النصارى، فأخذ معه العز بن عبد السلام، وسجنه في خيمة، وبينما كان الملك جالسا مع النصارى، إذا بالعز يقرأ القرآن، ويصل صوته إليهم، فقال الملك: أتدرون من هذا الذي تسمعون؟ قالوا: لا، قال: هذا من أكبر قساوستنا -ولم يقل: علمائنا- أتعلمون لماذا سجنته؟ قالوا: لا، قال: لأنه أفتى بعدم جواز بيع السلاح لكم، فقال النصارى: والله لو كان هذا قسيسا عندنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها، فخجل الملك وأطرق، وأمر بالإفراج عن العز بن عبد السلام.

المثال الثالث: موقف الشيخ الخضر حسين شيخ الأزهر مع محمد نجيب - إذ عندما قامت الثورة في مصر، قال محمد نجيب: سنساوي الرجل بالمرأة، فاتصل به الشيخ الخضر حسين، وقال له: إما أن تتراجع عن قولك، أو لأخرجن غدا لابسا كفني -ومعي جميع الأزهريين- في الشوارع، فإما الحياة، وإما الموت، فجاءه محمد نجيب وجاءته الوزارة مرددين: يا شيخنا، يا إمامنا، نحن نعتذر منك، والكلام كان خطأ، فقال الشيخ: لا تعتذروا لي، وإنما أعلنوا الاعتذار للعامة، فقالوا: صعب جدا أن نعتذر أمام العامة، فقال: إما أن تعتذر يا محمد نجيب أمام الناس عن كلامك وتنفيه، أو سأخرج غدا لابسا كفني، فأعلن محمد نجيب من الغد أن الصحافة كذبت عليه، وأنه لم يقل شيئا مما نشرت عنه.

هكذا يملي العلم والإيمان على العالم الجرأة في الحق، فلا تأخذه في الله لومة لائم، فيبرئ ذمته، ويحمي عرضه من أن يجعله الناس هدفا، يصوبون إليه سهامهم.

وإقحام (خوف الفتنة) تبريرا لكل موقف تنقصه الشجاعة في الحق أمر فيه نظر.

ثانيًا: ما يجب علينا تجاه العلماء:

1-أن نحفظ للعلماء مكانتهم وفاعليتهم في قيادة الأمة وأن نتأدب معهم:

إن في معاملة السلف لعلمائهم لقدوة لنا، يجب الاقتداء بها، وإن فيما سطروه من بيان لآداب طالب العلم لنورا، ينبغي لشداة العلم أن يستنيروا به في طريق الطلب.

قال العراقي:"لا ينبغي للمحدث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك، وكان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء".

وقال ابن الشافعي:"ما سمعت أبي ناظر أحدا قط فرفع صوته".

وقال يحيى بن معين:"الذي يحدث بالبلد وفيها من هو أولى منه بالتحديث فهو أحمق".

وقال الصعلوكي:"من قال لشيخه: لِمَ -على سبيل الاستهزاء- لم يفلح أبدا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت