فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 23

أو التغاضي عن الأخطاء، أو السكوت عن الحق، بل ندعو إلى المنهج الصحيح في بيان الحق، بدون انتهاك لأعراض العلماء، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء.

ثانيًا: انطلقت في الأيام الماضية دعوى الإجماع.

ولقد وردتني أسئلة كثيرة تقول: فلان يخالف إجماع العلماء، وفلان يخالف ما أجمع عليه العلماء، يريد أن يحدث فتنة، وأقول لهؤلاء: إن الإجماع ليس بالأمر اليسير، هناك فرق كبير جدا بين الإجماع والاجتماع.

الإجماع -كما بينه العلماء-: هو أن يجمع علماء الأمة المعتد بهم في عصر من العصور على مسألة من المسائل.

ولو خالف واحد منهم لم ينعقد الإجماع، ليس الإجماع إجماع أهل بلد فقط، بل هو إجماع علماء الأمة المعتد بهم في مشارق الأرض ومغاربها.

إذن، فالإجماع له ضوابط وشروط، وليس أمرا هينا؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن الإجماع لم ينعقد بعد الصحابة.

فليتريث الذين يدعون الإجماع، وليعلموا أن العبرة ليست بكثرة القائلين بقول ما وإنما العبرة بصحة القول المقرون بالدليل.

ثالثًا: قد يفتي بعض العلماء بفتوى لها أسبابها.

فيخالفهم فيها آخرون من العلماء أو طلبة العلم، فيطعن في المخالف، ويتهم بإثارة الفتنة، وحب الظهور، وسرقة الأضواء، وقلة العلم.. إلخ.

وهذا تصرف غير سليم، فعلينا أن ننتبه، في هذا الأمر، لما يأتي:

(أ) أن كلا يؤخذ من قوله ويرد، إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به.

(ب) أن المخالفين علماء، كما أن المخالفين علماء، فيجب تقدير المخالفين، وحفظ أعراضهم، وعدم أكل لحومهم.

(ج) أن نعلم أن الرجال يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.

(د) أن نتثبت من صحة الفتوى واكتمال شروطها عند كل فريق من الفريقين، فالمهم هو صحة الفتوى، واكتمال شروطها، بغض النظر عن الفريق الذي صدرت منه من الفريقين.

(هـ) أن مسائل الاجتهاد يسوغ فيها الخلاف، ولقد وقع الخلاف بين الصحابة في فهم قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -"لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"رواه البخاري، ووقع الخلاف بينهم بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكن ذلك لم يؤد بهم إلى الفتنة والطعن في الأعراض.

فيجب إذن ألا نضيق على أنفسنا، وأن تتسع صدورنا للخلاف في المسائل الاجتهادية.

(و) أن المخالفة ليست خطأ، ولا عبرة هنا بصغر سن المخالف أو كبره، بل العبرة بتوافر شروط الفتوى، ولم يزل العلماء قديما وحديثا يخالف صغيرهم كبيرهم، وقد يكون الحق مع الصغير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت