فهرس الكتاب
لقد نعى الله -تعالى- على المشركين تقليدهم آباءهم على الضلال: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ((الزخرف: من الآية22) .
والتقليد ليس كله مذموما، بل فيه تفصيل ذكره العلماء، ولكنني في هذا المقام أحذر من التقليد الذي يؤدي إلى نهش لحوم العلماء، فإنك-أحيانا- تسمع بعض الناس يقع في عرض عالم، فتسأله: هل استمعت إلى هذا العالم؟ فيقول: لا والله، فتقول: إذن كيف علمت من حاله وأقواله كذا وكذا؟! فيقول: قاله لي فلان، (1) هكذا يطعن في العالم تقليدا لفلان، بهذه السهولة، غير مراع حرمة العالم.
قال ابن مسعود:"ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر". وقال أبو حنيفة:"لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت". وقال الإمام أحمد:"من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال".
5-التعصب:
من خلال سبري لأقوال الذين يتحدثون في العلماء -وبخاصة طلاب العلم والدعاة- تبين لي أن التعصب من أبرز أسباب ذلك، والباعث على التعصب هو الحزبية، الحزبية لمذهب أو جماعة أو قبيلة أو بلد، الحزبية الضيقة التي فرقت المسلمين شيعا، حتى صدق على بعضهم قول الشاعر:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت, وإن ترشد غزية أرشد
سمعت أن بعض طلاب العلم يتكلمون في بعض العلماء، وفجأة تغير موقفهم، وصاروا يثنون عليه؛ لأنهم سمعوا أن فلانا يثني عليه؛ فأثنوا عليه، وسبحان الله! مغير الأحوال.
إذا ضل من يتعصبون له ضلوا معه، وإذا اهتدى للصواب اهتدوا معه، لقد سلم بعض الطلاب والدعاة عقولهم لغيرهم، وقلدوا في دينهم الرجال.
ولقد رأينا قريبا من ينتصر لعلماء بلده، ويقدح في علماء البلاد الأخرى، سبحان الله! أليست بلاد المسلمين واحدة؟! هذا من التعصب المذموم! أليس من الشطط أن يتعصب أهل الشرق لعلماء الشرق، وأهل الغرب لعلماء الغرب، وأهل الوسط لعلماء الوسط؟!
إن هذا التعصب مخالف للمنهج الصحيح، الذي يدعونا إلى أن نأخذ بالحق مهما كان قائله؛ ولهذا قال أبو حامد الغزالي في ذم التعصب:"وهذه عادة ضعفاء العقول؛ يعرفون الحق بالرجال، لا الرجال بالحق".
6-التعالم:
(1) - وليس المراد أن فلانا نقل له كلامه - فهذا هو السند وهو مصدر صحيح إذا كان الناقل ثقة، ولكن المراد أن فلانا سبه وقدح فيه، فسبه تبعا له دون تبين.