ومفارقة قومه وعشيرته ، وإمَّا لأن أباه وأشياخه نقلوه إليه فتلقفه عنهم معتقدا فيه الهداية والنجاة ، فإن كنت يا هذا قد ترى جميع المذاهب التي تكفّرها قد أخذها آباؤها عن آبائهم كأخذك مذهبك عن أبيك ، وكنت عالما أنّ ما هم عليه ضلال وجهل ، فيلومك أن تبحث عما أخذته عن أبيك خوفا من أن تكون هذه حالتك ، فإن قال إنّ الذي أخذته عن أبي أصح مما أخذه الناس عن آبائهم ، لزمه أنْ يُقيم البرهان على نبوة عيسى إن كان نصرانيا ، وعلى نبوة موسى إن كان يهوديا ، من غير تقليد لأبيه ، لأنّه قد ادّعى صحة ذلك بغير تقليد ، وإنْ زعم أن علّة صحة ما نقله عن أبيه أنّ أباه ترجّح على آباء الناس بالصدق والمعرفة ، لزمه أن يأتي بدليل على أنّ أباه كان أعقل من سائر آباء الناس ، فإنْ ادّعى ذلك فقد كذب فيه ؛ لأنّ مَنْ ادّعى مثل هذا يجب عليه أنْ يستدلَّ على فضائله بآثاره ، وقول / النصراني أو اليهودي بأن لهم10أ من الآثار في العالم ما ليس لغيرهم مثله باطل ، بل على الحقيقة لا ذكرى لهم بين الأمم الذين استخرجوا العلوم الدقيقة ، ودوَّنوها لمن يأتي بعدهم ، وجميع ما نُسب إلى النصارى ، ونسب لليهود من العلوم مع ما استفادوه من علوم غيرهم لا يضاهي بعض الفنون الحكمية التي استخرجها علماء اليونان ، وأمَّا تصانيف المسلمين فيستحيل لكثرتها أن يقف أحد من الناس على جميع ما صنّفوه في أحد الفنون العلمية ؛ لسعته وكثرته ، وإذا كان هذا موقعهم من الأمم ، فقد بطل قولهم أنّ آباءهم أعقل الناس ، ولهم أُسوة بسائر آباء الناس من ولد آدم ، فإذا أقرّوا بتساوي آبائهم بآباء غيرهم ، وقد علموا أنّ آباء غيرهم قد لقّنوهم الكفر ، لزمهم أنّ شهادة الآباء لا تجوز ، ولا يصح أن تكون حجة في صحة الدين ، فلا يبقى لهم حجة بنبوة عيسى ، أو بنبوة موسى إلاّ شهادة التواتر بالمعجزات ، وهذا موجود لسيدنا محمد، وسيدنا عيسى، وسيدنا موسى ، وسيدنا إبراهيم ، ويزيد سيدنا محمد عليهم