الصفحة 30 من 111

ثم أنزل الله تبارك وتعالى التوراة على موسى بعد الصحف بزمان، في عشرة ألواح ... فلما نزل من الجبل ووجد أصحابه قد عبدوا العجل، رمى بها فتكسرت. ثم ندم فدعا الله عز وجل أن يردها عليه، فاستجاب الله جل اسمه وردها في لوحين، فأحد اللوحين لوح الميثاق والآخر لوح الشهادة ... ثم أنزل الله عز وجل على داود المزامير، وهو الزبور الذي في أيدي اليهود والنصارى، وهو مائة وخمسون زبورًا" (39) ."

ونفهم من هذا النص أن ما ترجمه أحمد بن سلام لم يكن يتعدى مضمون لوحين، وإلا لكان علَّق على ذلك. وذلك يدل على أن مدونة التوراة زيد فيها وَضُمَّتْ إليها تأليفات وكتب أخرى مع مرور الزمان، لتعطينا مدونة العهد العتيق الضخمة التي بين أيدينا الآن.

ذكر ابن النديم بعد ذلك أقسام العهد العتيق، نقلًا عن ثقة، قال:"سألت رجلا من أفاضلهم (من أفاضل اليهود) عن ذلك الكلام على التوراة في يد اليهود وأسماء كتبهم وأخبار علمائهم ومصنفيهم، فقال: أنزل الله، جل اسمه، على موسى التوراة وهي خمسة أخماس، وينقسم كل خمس إلى سِفَرِين (جمع سفر باللغة الآرامية) ، وينقسم السفر إلى عدة فراشات (فصول أي سور) ، وتنقسم كل فراشة إلى عدة بسوقات (آيات) . قال: ولموسى كتاب يقال له المشنه، ومنه يستخرج اليهود علم الفقه والشرائع والأحكام، وهو كتاب كبير ولغته كسداني (آرامي) وعبري (40) ."

"ومن كتب الأنبياء بعد ذلك، (القسم الثاني من العهد العتيق) : كتاب يهوشع، كتاب"سفطي" (القضاة) ، كتاب شموئل، كتاب سفر إشعياء، كتاب سفر إرمياء، كتاب سفر حزقيال، كتاب ملخي وهو سفر داود وأصحابه ويعرف بتفسير ملخي الملوك (هكذا في التحقيق) (41) ، كتاب الأنبياء وهو 12 سفرًا صغيرًا."

"ولهم كتب يقال لها بطارات، مستخرجة من كتب الأنبياء الثمانية. ومن كتبهم: كتاب عزرا، وكتاب دانيال، وكتاب أيوب، وكتاب شرشرين (نشيد الأناشيد) (42) . وكتاب أخا (إخا) وكتاب روث، وكتاب كوهلت (الجامعة) وكتاب زبور داود (المزامير) وكتاب أمثال سليمان، وكتاب ديوان الأيام فيه سير الملوك وأخبارهم، وكتاب حشوارش ويسمى المجلة" (43) .

ولا نستطيع أن نجزم بأن الترتيب الذي عرضه ابن النديم هو الترتيب الذي كان متبعًا آنذاك، لأننا لا نعرف هل الخبر الذي نقله عن"بعض أفاضلهم"كان نصًا محفوظًا أم كان يتداول بالمعنى الإجمالي!

وعندما تحدث ابن النديم عن إنجيل النصارى وأسماء كتبهم وعلمائهم ومصنفيهم، قال إنه سأل القس، وكان فاضلًا، عن كتب النصارى التي كانت باللسان العربي، فأخبره أن من ذلك: الصورة، وينقسم إلى قسمين: الصورة العتيقة والصورة الحديثة. وأخبره بأن العتيقة هي السند القديم على مذهب اليهود، والحديثة على مذهب النصارى. وذكر له كتب السند القديم، وأولها التوراة وهي خمسة أسفار، ويحتوي السند كذلك على عدة كتب منها: يوشع، الأسباط (شوفطيم) وهو كتاب: القضاة، شموئل، وقضية داود، وأخبار بني إسرائيل، وقضية قصة رعوث، وكتاب سليمان بن داود في الحكم، وكوهلت، وكتاب سير سيرين (نشيد الأناشيد) ، وكتاب حكمة هويسيع بن سيرين (يشوع بن سيراخ) ، وكتاب الأنبياء الذي يحتوي على أربعة كتب: أشعياء وأرمياء وكتاب الإثني عشر نبيًّا وكتاب حزقيل ... (44) .

والملاحظ من هذا السرد أنه لا يتضمن كل أسفار العهد العتيق، ولا ندري أيضًا من أين أتى الخلل أو النقص في هذا السرد، أو الزيادات في المدونة الموجودة حاليًا.

وقد حاولنا أن نستشف مضمون العهد العتيق في اللغة العربية من كتاب"الفصل في الملل والأهواء والنحل"لابن حزم (45) ، فتوصلنا إلى أن هذا العالم كان يملك حقًّا نسخة توراتية رِبِّيَّة، ربما لا تتعدى الأخماس، وفهمنا ذلك من قوله عندما تحدث عن التوراة السامرية:"ولم يقع إلينا توراة السامرية لأنهم لا يستحلون الخروج عن فلسطين والأردن أصلا". والواقع أن نقد ابن حزم لم ينصب إلا على هذا القسم فقط (46) .

ونسبت ترجمة لحنين بن إسحاق (تـ: 260هـ874 - 873م) قيل إنه اعتمد فيها اليونانية، ولم يذكرها له ابن النديم في ترجمته (47) .

* ترجمة سعديه كؤون الفيومي:

ونظرًا لطبيعة الثقافة العربية الإسلامية التي صارت مكونًا من مكونات الفكر العبري في دولة الإسلام، في ذروة حضارتها واتساعها، كان لا بد أن يقوم اليهود العرب بترجمة كاملة، أو على أقل تقدير بترجمات لنصوص محددة. ذلك أن اللسان العربي أصبح لسان جمهورهم شرقًا وغربًا، ولسان بعض مذاهبهم مثل المذهب القرائي الذي تشبث بالتحرير باللغة العربية حرفًا ولغة. ولعل الكثير من هذه الترجمات ضاع، أو لم نطلع عليه لأن المخطوطات كانت مكتوبة بالحرف العربي أو بالنطق العربي بحروف عبرية، فأهملها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت