فهرس الكتاب
ولكن الجدال انبعث حين أعلن أرجيل W. argyle أن عيسى، عليه السلام، كان يتحدث الإغريقية، وأن مستمعيه لم يكونوا يفهمون إلا الآرامية (2) .
وإذا كان بعض الباحثين أمثال Russel J.K & R. Drapper قد تقبلوا هذا الزعم، فإن آخرين أمثال Mel Wilson عارضوه بشدة (3) ، ولكنهم متفقون جميعًا على قوة تأثير الهلينية في فلسطين زمن بعثة المسيح، عليه السلام. ومرد هذا الاتفاق أن عددًا كبيرًا من المكتوبات والنقوش التي عثر عليها هناك كتبت بالإغريقية، كما أن نتفًا من وثائق البحر الميت كتبت بتلك اللغة. ويدخل ضمن هذا التأثير الهليني ما يمكن ملاحظته من تأثيرات إغريقية في الأدب الربي، ومن شيوع ترجمات إغريقية للتوارة في القرن الثاني الميلادي.
وأبرزت دراسات ليبرمان. وسونتز. وميليك. . وغودناف. وغوندراي وسفنستر J. وسبيربير مظاهر متنوعة من التأثير الإغريقي في فلسطين في تلك المرحلة، وساعدت على تحديد مدى انتشار اللغة والثقافة الهلينية في فلسطين.
وينبغي الإشارة هنا إلى أن اليهودية قاومت الهلينية في بعض المناطق، وأن الحواضر كانت أكثر هلينية من البوادي، ثم تغير الأمر بعد القومة اليهودية الثانية (135 ميلادية) حين تعاظم تيار الهلينية والرومانية (4) .
أما اللاتينية، فقد ذكرنا أنها كانت لغة الغالب المحتل، وكانت لغة الإدارة هي الرومانية (5) التي تركت بصماتها في بعض المكتوبات وإهداءات المباني والمحلات العمومية، وبعض البرديات التي تم العثور عليها في البحر الميت. وبرز تأثير اللاتينية في اللغة العبرانية في مواضع ذات دلالة هامة.
أما الآرامية، فلا أحد يشك في انتشارها في الجهة السورية ـ الفلسطينية، ابتداء من النصف الأول من الألفية الأولى قبل الميلاد، واستمر انتشارها في المنطقة كـ Lingua Franca في القرن السابع الميلادي.
لقد استبدل سكان فلسطين آنذاك العبرانية بالآرامية في الفترة من 721 إلى 500 قبل الميلاد، كما شاع بين الدارسين أن عيسى، عليه السلام، كان يعرف الآرامية، وأن تلاميذه ومعاصريه كانوا يتحدثونها ويكتبونها، وأن المسيحية انتشرت في فلسطين وسوريا وكل منطقة ميزوبوتاميا اعتمادًا على هذه اللغة السامية.
ويرى A. Meyer أن لغة عيسى كانت الآرامية، وأن جانبًا كبيرًا من الكتابات كتبت في الأصل بهذه اللغة، ثم ترجمت بعد ذلك (6) .
ونجد من بين الباحثين من يؤكد شيوع اللغة الآرامية بين الطبقات الشعبية زمن عيسى، وأن هذه اللغة هي التي تحدث بها المسيح وغيره من الرسل (7) . ويؤكد باحثون آخرون على أن الآرامية حلت محل العبرانية منذ بداية المرحلة الهلينية (8) .
ويرى آخرون أن الآرامية انقسمت إلى لهجات متعددة انحصرت في آرامية وسيطة وآرامية متأخرة. ويدرج ... G.Y Kutsher ضمن لهجات الآرامية الوسيطة بعض المكتوبات التي عثر عليها في منطقة القدس، وبعض وثائق البحر الميت، أما الآرامية المتأخرة فقد انقسمت إلى الآرامية السامرية والآرامية الفلسطينية المسيحية.
وتكتسي آرامية الجليل مكانة خاصة بين لهجات الآرامية المتأخرة، فبها كتبت الأقسام الآرامية من التلمود الفلسطيني، وإليها ترجمت التوراة، وبها كتبت بعض كتب المدراس. وعلى العموم فالآرامية الفلسطينية وفقًا لهذا الاتجاه هي أقرب اللغات التي يعتقد أن تكون بشارة المسيح عيسى ابن مريم قد كتبت بها ابتداء. وقد كانت تلك اللغة شائعة شيوعًا واسعًا يفوق انتشار الإغريقية.
ويرى آخرون أمثال H. Birkeland أن الفئات الشعبية في فلسطين كانت تتحدث زمن عيسى بالعبرانية، وعبرانيتها لم تكن بالضرورة عبرانية ربية، بل كانت لهجة شعبية تطورت انطلاقًا من العبرانية التوراتية. ولقي هذا الرأي انتقادًا شديدًا من قبل كثير من الدارسين (9) .
أما العبرانية الرِّبِّيَّةُ فقد انتشرت كلغة أدبية في القرنين الأول والثاني الميلاديين، وقد بدأ تطور هذه اللغة، في إطار بانوراما اللغات المتحدث بها في فلسطين، بعد النفي وفي بدايات العصر المسيحي.