فهرس الكتاب
فقال لهم: أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر، وما للَّهِ للَّهِ< (41) .
الفصل الثاني
ما بأيدي الإنسانية المعاصرة من وثائق تحدد معالم الرسالة حول تدوين الأناجيل
نقرأ في إنجيل مرقس:
>وبعد اعتقال يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل يعلن بشارة الله، فيقول: تم الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل< (42) .
ونقرأ في رومة، الإصحاح الأول:
>وأنا لا أستحي بإنجيل المسيح، فهو قدرة الله لخلاص كل من آمن، لليهودي أولًا ثم لليوناني، لأن فيه معلن بِرُّ الله بإيمان لإيمان، كما هو مكتوب أما البار فبالإيمان يحيا< (43) .
يقول ابن حزم، في كتابه الفصل في الأهواء والملل والنحل:
>ولسنا نحتاج إلى تكليف برهان في أن تلك الأناجيل وسائر كتب النصارى ليست من عند الله عز وجل، ولا من عند المسيح، عليه السلام. وأما النصارى فقد كفونا هذه المؤونة كلها، لأنهم لا يدعون أن تلك الأناجيل منزلة من عند الله على المسيح، ولا أن المسيح أتاهم بها. بل كلهم، أولهم وآخرهم، أريوسيهم وملكيهم ونسطوريهم ويعقوبيهم ومارونيهم وبولقانيهم، لا يختلفون من أنها أربعة تواريخ، أَلَّفَهَا أربعة رجال معروفين في أزمان مختلفة< (44) .
والمصادر الغربية تؤكد غياب الأصول الأولى التي كتبت بأيدي هؤلاء الرجال الأربعة: يوحنا ولوقا ومتى ومرقس، وأن ما هو منسوب إليهم من أناجيل ليس من تحريرهم، ولا تستند تلك الأناجيل إلى محررات أصلية (45) .
وقبل تفصيل الحديث في الأناجيل الأربعة، نذكر أن جميعها وعلى مَرِّ تاريخها خضعت لخمسة أشكال من النقد:
1.النقد التاريخي: حلَّلَ فيه الباحثون أحداث هذه الأناجيل وقارنوها. وقد أسفر ذلك عن أن معاني النصوص الإنجيلية تعكس عقلية مؤلفيها وتصوراتهم، في حدود درايتهم التي كانت محدودة، في علم التاريخ.
2.النقد الفيلولوجي: وقد اتخذ طريقًا خاصًا في تفهم لغة مؤلفي الأناجيل، ومقارنتها بالمعطيات التي قدمها فقه اللغات السائدة، زمن تأليف تلك الأناجيل.
كما ركز هذا النقد على التساؤل عن لغة عيسى، ومدى قدرة اللغة الإغريقية على ترجمة الكلام الآرامي، خاصة وأن أغلب الأبحاث المقدمة في هذا المجال تقطع بأن عيسى كان يتحدث الآرامية، وفَهِمَ اللاتينية في عصر هليني سادت فيه اللغة والثقافة الإغريقيتان. ومَكَّنَ هذا النوع من النقد من مقارنة لغة نصوص الأناجيل بلغات واضعيها في الأزمنة البعيدة، خاصة وأنه في إطار نفس اللغة كانت معاني بعض الألفاظ تتغير من إقليم إلى آخر.
3.النقد العقلاني: وقد أسفر عن بيان ما لا يمكن للتأويل أن يجعله موافقًا للعقل. والتمس هذا النوع من النقد معطيات من التاريخ، وتاريخ اللغة الإغريقية والآرامية، والتراث الثقافي للشرق القديم وللعالمين الإغريقي واللاتيني.
4.النقد المعياري: استعان هذا الضرب من النقد بمعطيات خارجية، من أجل إثبات توافق أو عدم توافق النصوص الإنجيلية مع القناعات اللاهوتية والأخلاقية التي تبنتها الفرق المسيحية.
5.نقد علماء المسلمين: إذا كانت أنواع النقد التوراتي المذكورة تنطلق من النص الإنجيلي بهدف تَعَقُّلِهِ، أو إثبات المعطيات التي جاء بها، أو تبرير مضمونه إن استدعى الأمر ذلك، فإن نصوص الإنجيل حظيت باهتمام خاص من علماء المسلمين، أمثال الجاحظ، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وابن حزم، والأنصاري، وأفوقاي الحاجري، وغيرهم.