فهرس الكتاب
لقد نظر هؤلاء العلماء إلى الأناجيل في سياق نظرتهم إلى أن الدين عند الله الإسلام، منذ آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فعرفوا الأفكار الكنسية التي تبلورت بعد عيسى، عليه السلام، وأدرجها الكُتَّابُ في أناجيلهم، وتَعَقَّلُوا النصوص الإنجيلية في سياق الإنجيل الأصلي المنزل على عيسى، عليه السلام، ونظروا إلى الأناجيل الأربعة على أنها محرفة، ووقفوا على مواطن التحريف فيها وناقشوا سندها. وقاموا بمناقشة الاعتقادات التي بنيت عليها تلك الأناجيل، من التثليث وألوهية عيسى، وبنوته لله تعالى ... إلخ.
لقد وضع علماء الإسلام العديد من التصانيف في باب مجادلة النصارى، وبيان ما في كتبهم من الأوهام. وتعددت مناهجهم في دراسة المسيحية، فمن واقف على جمل الأناجيل لإيضاح تناقضها، ومن ناقد لسندها، إلى جامع بين كل ذلك، ومن أشهر هذه الكتب ما يلي::
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل للإمام الغزالي (46) . أجوبة الحيارى في الرد على اليهود والنصارى لابن قيم الجوزية (47) . الفصل في الأهواء والملل والنحل لابن حزم. الرسالة المختارة في الرد على النصارى، لأبي عثمان الجاحظ (48) . جواب أبي الوليد الباجي على رسالة راهب فرنسا إلى المسلمين (49) . ديشبوته كونترا خودييوش، أي كريستيانوش، لعبد الله الكاتب (50) .
وليس هناك أي دليل على توفر إنجيل كامل وأصيل، أي مُدَوَّن بالأخذ المباشر عن لسان المسيح عيسى ابن مريم، عليه السلام.
لقد صرح كل كُتَّاب الأناجيل بأن أناجيلهم هي سِيَرٌ لعيسى، عليه السلام، عرضت بشارته، فهي روايات لأخبار حول هذا الرسول الذي أرسله رب العالمين إلى بني إسرائيل ليبين لهم الدين، ولم يدَّعُوا أن تلك الأناجيل تحمل الرسالة السماوية نصًا كاملًا كما بلَّغها عيسى، عليه السلام.
ونقرأ في الرسالة الثانية إلى تيموثاوس:
>فأنت منذ طفولتك عرفت الكتب المقدسة القادرة على أن تزودك بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص، في الإيمان بالمسيح يسوع. فالكتاب كله من وحي الله، يفيد في التعليم والتقويم والتوبيخ والتأديب في البِرِّ، ليكون رجل الله كاملًا مستعدًا لكل عمل صالح< (51) .
جاء هذا في رسالة بولس إلى ابنه تيموثاوس، ويستخلص منها أن الكلام يتعلق بكتب مقدسة، مجموعة عرفها تيموثاوس بن بولس منذ طفولته. وقد يقال إن الكتب المقدسة المذكورة هنا هي كتب العهد القديم، التوراة وكتب الأنبياء السابقين، ولكن ظاهر النص يجعلنا نرجح أن الأمر يتعلق كذلك بالإنجيل، وإنجيل عيسى على الخصوص، ولعل عبارة >فالكتاب كله من وحي الله يفيد في التعليم والتقويم والتوبيخ والتأديب ... إلخ< تفيد أن النقاش كان حول الكتاب الذي هو من وحي الله، أي المدونة التي تحمل تسجيلًا مباشرًا لما نطق به الرسول من بلاغ، لتمييزه عن الكتب التي ليست من هذا الوحي، أي التي لا تحمل الخطاب منضبطًا كما بَلَّغَهُ الرسول الكريم.
وقد ترجم هذا النص بصيغة أخرى تنحرف بمعناه إلى معنى آخر >كل كتاب من وحي الله يفيد ... إلخ< كما في الترجمة الفرنسية التي أصدرتها الجمعية التوراتية الفرنسية سنة 1996:
وإذا كنا نقرأ في إنجيل يوحنا إشارة يستنتج منها معرفة عيسى، عليه السلام، بالكتابة، فليست هناك أية عبارة تشير إلى أنه قام بتدوين الإنجيل أو أمر تلاميذه بذلك. فقد يكون عيسى، عليه السلام، قد اكتفى بخطاب الناس مشافهة، لما كانت عليه المجتمعات القديمة من اعتماد على الخطاب الشفاهي أكثر من الكتابة، والمعروف أن زمان عيسى كان زمن خطابة وخطباء.
ونقرأ في إنجيل يوحنا:
>أما يسوع فخرج إلى جبل الزيتون. وعند الفجر رجع إلى الهيكل فأقبل إليه الشعب كله. فجلس وأخذ يُعَلِّمُهُم. وجاء الكَتَبَة والفريسيون بامرأة، أمسكها بعض الناس وهي تزني، فأوقفوها وسط الحاضرين، وقالوا له: يا مُعَلِّم، أَمْسَكُوا هذه المرأة في الزنى، وموسى أوصى في شريعته برجم أمثالها، فماذا تقول أنت؟ وكانوا في ذلك يحاولون إحراجه ليتهموه، فانحنى يسوع يكتب بأصبعه في الأرض. فلما ألحوا