فهرس الكتاب
عليه في السؤال، رفع رأسه وقال لهم: من كان منكم بلا خطيئة فليبدأ ويرمها بحجر. ثم انحنى ثانية يكتب< (52) .
ونقرأ في إنجيل لوقا: أن عيسى، عليه السلام، حينما التقى بتمليذين من تلاميذه كانا متوجهين إلى قرية عمواس:"شرح لهما ما جاء في جميع الكتب المقدسة، من موسى إلى سائر الأنبياء". و في نفس الإصحاح نقرأ:"ثم فتح أذهانهم ليفهموا الكتب المقدسة، وقال لهم ما جاء فيها" (53) .
لقد كان تعليمه لتلاميذه مشافهة، وكذلك تعليم تلاميذه للناس:"اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (54) ، وليس هناك ما يدل على تدوين الإنجيل في عهده، عليه السلام.
وبعد عهود استدعت الظروف ضرورة الكتابة، دوَّن الناس الأناجيل اعتمادًا على الموروث الشفاهي وليس اعتمادًا على وثائق أصلية محررة. وهذه الأناجيل والكتابات لم تهتم بالإنجيل المنزل على عيسى، عليه السلام، ككتاب مُنَزَّل. وتبدو من قراءة العهد الجديد الإشارة إلى إنجيل عيسى، عليه السلام، على أنه"بشارة"Gospel وليس كتابًا مُنَزَّلًا (55) .
إن كلمة إنجيل استعملت للدلالة على الرسالة التي كُلِّفَ بها عيسى، عليه السلام، لا على الكتاب المنزل. نقرأ في مدخل الكتاب المقدس:
>وقد وضعت هذه الكلمة أصلًا للدلالة على الرسالة التي كُلِّفَ الآب يسوع تأديتها، وقوام هذه الرسالة أن يُرَسِّخَ المسيح يسوع ملكوت الله بين البشر. فهي إذًا ملازمة ليسوع المسيح، إلى درجة يمكن معها القول: إن يسوع نفسه هو الإنجيل، البُشْرَى السارة التي أُعْلِنَتْ للناس أجمعين< (56) .
وهنا تبدو وجاهة الحكم الذي أطلقه ابن حزم منذ شروعه في مناقشة الأناجيل، قال:
>إنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال من المشاهير في أزمان مختلفة. فأولها تاريخ متى اللاواني، تلميذ المسيح، ألَّفَهُ بعد تسع سنين من رفع المسيح، عليه السلام، وكتبه بالعبرانية في بلد يهوذا بالشام، ويُكَوِّنُ ثمانًا وعشرين ورقة بخط متوسط.
والآخر تاريخ ألَّفَهُ مرقس الهاروني، تلميذ شمعون بن توما المسمى"باطرة"، بعد اثنين وعشرين عامًا من رفع المسيح، عليه السلام، وكتبه باليونانية في بلد أنطاكية من بلاد الروم. ويقولون إن شمعون المذكور هو الذي ألفه ثم محا اسمه من أوله ونسبه إلى تلميذه مرقس. ويُكَوِّنُ أربعًا وعشرين ورقة بخط متوسط، وشمعون المذكور تلميذ المسيح.
والثالث تاريخ ألَّفَهُ الطبيب الأنطاكي، تلميذ شمعون باطرة، أيضًا كتبه باليونانية في بلد أقاية بعد تأليف مرقس المذكور. ويكون من قدر إنجيل متى.
والرابع تاريخ ألَّفَهُ يوحنا بن سيداي، من تلاميذ المسيح، بعد رفع المسيح ببضع وستين سنة، وكتبه باليونانية في بلد إيشينية. ويكون أربعًا وعشرين ورقة< (57) .
إن ابن حزم يتحدث عن تواريخ سميت أناجيل. وفي كلامه وجاهة تأكدت حتى في كتابات بعض الباحثين المسيحيين.
منذ سنة سبعين ميلادية شهد المجتمع توسعًا في الكتابة والتأليف، فوضعت الأناجيل والرسائل وسائر الكتب السبعة والعشرين، وهي كتب العهد الجديد. وتضم هذه الكتب (حسب الرؤية المسيحية) رواية لتعاليم عيسى، عليه السلام، والأحداث التي عاشها. وضمت أعمال الرسل تاريخ المسيحية في فلسطين وخارجها.
أما الرسائل، فقد وجهها بولس إلى الجماعات المسيحية خارج فلسطين. على أن أصحاب الأناجيل لم يَدَّعُوا أنهم كتبوا كل ما أتى به عيسى، عليه السلام، أو أنهم دَوَّنُوا كل ما قام به من أعمال، بل إن كتاباتهم، على حد تعبيرهم، هي سير مختصرة (58) . نقرأ في إنجيل يوحنا:
>وهناك أمور كثيرة عملها يسوع، لو كتبت واحدة واحدة لضاق العالم كله بالكتب التي تحتويها< (59) .
ويفيد هذا الكلام أن هذه الأناجيل ليست مطابقة للرسالة المنزلة على رسول الله عيسى ابن مريم، عليه السلام.