الصفحة 62 من 111

وفي القرن الثاني الميلادي اعتبرت الأناجيل الأربعة أنها:

>إعلان لرسالة المسيح بفم وقلم كل من متَّى ومرقس و لوقا و يوحنا، الذين دونوا كتبهم بوحي من (روح الله) فغدت هذه الكتب بفضل هذا الوحي، كلام الله المكتوب. وهذا الكلام يكشف لنا عن حقيقة يسوع (كلمة) الله الحية< (60) .

ومعنى هذا القول أن الله عدَّل في رسالته، فأنقص وأضاف، لينزلها مرة أخرى منقحة على أشخاص آخرين غير عيسى ابن مريم، وذلك لا يجوز على الله الذي يعلم حقيقة رسالته، وكيف ينزلها تامة، وإلى من يوكلها من الرسل. فإذا قيل إن وحيًا نزل على متَّى ومرقس ولوقا ويوحنا، فإن ذلك يعتبر إشارة إلى رسالات جديدة غير الرسالة التي أوحيت إلى المسيح، عليه السلام. وبحثنا هذا يتحرى رسالة السماء الأصلية كما نزلت على المسيح عيسى ابن مريم، وكما بلَّغها هو بلسانه إلى الناس.

ثم إنه إذا حق القول بأن وحيًا نزل على هؤلاء، أو حدَّثهم الله بأي طريق كان، فلماذا ينزل الوحي بأربعة أناجيل في زمان واحد، أو أزمنة متقاربة، ويكون بينها اختلافات وفروق! إن ذلك يستحيل وروده عن الله. وإذا كان موسى وهارون رسولين قد اشتركا من قبل في رسالة واحدة، إلا أنه لم يدَّع أحد أن كلًا منهما نزلت عليه نسخة من الرسالة التي نزلت على الآخر، فالله لا يُرْسِلُ بازدواج لا طائل من ورائه.

إن شيئًا من الإنجيل الأصيل ظل يتناقل شفاهةً إلى زمن كتابة ما اصطلح على تسميته بالبشارة، فكان أن تصرف الرواة في النص فأدخلوا عليه ما ليس منه، فحرفت الصياغة وتغيرت المعاني. وجاء زمن الأناجيل الأربعة (إنجيل متى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا) التي وافقت عليها الطوائف المسيحية واعتمدتها، وكانت تلك الأناجيل بمثابة تسجيل للمعرفة التي كانت تتناقل شفهيًا بما تحمله من انحرافات عن الأصل.

وإلى جانب تلك الأناجيل كانت أناجيل أخرى قد تم إعدامها لقربها من عقيدة التوحيد، ولنفيها ألوهية عيسى، عليه السلام. وإنجيل برنابا، إن صحت نسبته و لم ينقطع سنده، يدخل في هذا الإطار.

وقد انقسم الباحثون المسيحيون حول التاريخ الذي أُلِّفَتْ فيه الأناجيل الثلاثة المتوافقة، وإنجيل يوحنا.

لقد ذهب البعض إلى أن الأناجيل الثلاثة المتوافقة كتبت قبل سنة 70 ميلادية، وأن إنجيل يوحنا كان آخر ما أُلِّفَ من الأناجيل الأربعة.

ورأى آخرون أن بعض الأناجيل كتب قبل سنة 70 ميلادية، وبعضها كتب فيما بعد، وأن هناك إنجيلين لمتَّى، أحدهما كتب بالآرامية والآخر كتب بالإغريقية، ولكن إنجيله الأول بالآرامية ضاع.

وذهب فريق ثالث إلى أن إنجيل مرقس كتب قبل سنة 70 ميلادية وتلته الأناجيل الأخرى، وأن هناك إنجيلًا واحدًا بالإغريقية لمتَّى.

ورأى فريق رابع من الدارسين أن كل الأناجيل كتبت بعد خراب الهيكل.

ويرى الدارسون المسيحيون أن كتاب العهد الجديد استقر على الحالة التي هو عليها الآن في سنة 367 ميلادية، حيث حُصِرَتْ المكتوبات التي يشتمل عليها في سبع و عشرين كتابًا. غير أن معطيات أخرى توحي بأن هذا"العهد الجديد"قد آل إلى الاستقرار على الصورة الحالية حوالي سنة 150 ميلادية، فالأناجيل الأربعة كانت قد اعتمدت منذ ذلك التاريخ و لم يحتدم النقاش إلا حول بعض الرسائل، وعلى رأسها رسالة العبرانيين. كما أن رسائل أخرى أشير إليها في العهد الجديد ولم يبد لها أثر. نقرأ في كولوسي:

>سلموا على الإخوة الذين في لاودكية وعلى نمفاس وعلى الكنيسة التي تجتمع في بيتها. وبعد قراءة هذه الرسالة عندكم، أرسلوها إلى كنيسة لاودكية لتقرأها، واطلبوا رسالتي إلى لاودكية لتقرأوها أنتم أيضًا< (61) .

كما أن مارسيانو Marciano الغنوصي دعا المسيحيين حوالي سنة 110 ميلادية إلى نبذ العمل بالعهد القديم، وكل ما له صلة باليهود واليهودية في الكتابات المسيحية، فحوكم على ذلك. ثم أقرَّ القسيسون بأن العهد القديم وحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت