الصفحة 91 من 111

فيها، والملاحظ أن كثيرًا من علماء العربية كانوا من أصل غير عربي، مثل سيبويه وأبي علي الفارسي والزمخشري، ومنهم من استعان بترجمة معاني القرآن التي بدأت في عهد مبكر، فيذكر أن سلمان الفارسي ترجم سورة الفاتحة إلى الفارسية، وأن أبا حنيفة أجاز قراءة ترجمة معانيها في الصلاة لمن لا يعرف العربية. وقيل إن معاني القرآن الكريم ترجمت إلى السريانية في عهد الحجاج بن يوسف.

والواقع أنه مع انتشار الإسلام كثرت الترجمات، حتى جاوزت الآلاف، فترجمت معاني القرآن إلى أكثر من ستين لغة، من أبرزها: الفارسية والتركية اللتين تداخلتا مع العربية في نمط الخط وفي كثير من الألفاظ، بسبب التمازج بين علماء العرب والفرس والترك، الذين جمعتهم وحدة العقيدة والثقافة. كما أن هناك ترجمة إلى اللغة الأردية، وهي لغة كثير من علماء الإسلام، كما ترجمت معاني القرآن الكريم إلى الصينية واليابانية.

وترجمت في إفريقيا إلى عدة لغات مثل السواحيلية والبولارية.

وفي أوروبا ترجمت معاني القرآن إلى اللاتينية في أواسط القرن الثاني عشر الميلادي، وتوالت الترجمات إلى اللغات الحية، مثل: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والألمانية، وبدأت طباعاتها في القرن السادس عشر. إلا أن تلك التراجم الأوروبية كانت في أغلبها مشوهة، إما عن جهل أو عن سوء نية، إلى أن ظهرت في العصر الحديث تراجم تعاون عليها علماء عرب مسلمون ولغويون مختصون، فصححت كثيرًا من الأخطاء التي امتلأت بها الترجمات الأولى.

نشر المصاحف والتفاسير والترجمات بالطباعة والتقنيات المعاصرة

لقد اخْتُرِعَتْ الطباعة في أوروبا في القرن الخامس عشر الميلادي، وصدرت أول طبعة للمصحف الشريف خارج العالم الإسلامي بمدينة البندقية (فنيسيا) في إيطاليا، في أوائل القرن السادس عشر.

ويرجع تأخر طباعة القرآن الكريم عن بداية اختراع المطابع إلى سببين اثنين: أحدهما أن العالم الإسلامي لم يعرف نهضة الطباعة إلا في عهد متأخر عن تاريخ اختراع المطابع. والسبب الثاني هو تردد علماء الإسلام في بادئ الأمر حول إجازة طباعته، خشية الإخلال بقواعد الرسم والضبط التي يجب الحفاظ عليها، كما كانوا يخشون أيضًا احتمال إجراء عملية الطباعة في ظروف يصعب فيها احترام قداسة المصحف الذي لا ينبغي أن يَمَسَّهُ إلا المُطَهَّرُونَ. وكان لموقفهم ما يبرره، فقد كانت طبعة البندقية التي أصدرها"ألساندرو باكنيوا"مليئة بالأخطاء الفادحة حتى في سورة الفاتحة، ثم تلتها طبعة هامبورج في ألمانيا، وكانت مشوهة كذلك، لأنها نسبت القرآن الكريم إلى محمد، دون ذكر نبوَّته ورسالته.

ولكن مع التقدم العلمي، ومشاركة الأمَّة الإسلامية في تسخير الطباعة لنشر العلم، استطاع المسلمون أن يجدوا الحلول المناسبة لطباعة القرآن الكريم، مع مراعاة قواعد رسمه ونقطه، وقواعد حرمته.

وتوالت الطبعات، فبلغت طباعة المصاحف أعلى مستوى في الجودة والإتقان. وقد طبعت مصاحف من قراءة نافع في رواية ورش وقالون، ومن قراءة عاصم في رواية حفص، ورواية الدوري عن ابن عمرو بن العلاء ... إلخ.

ومن أهم المؤسسات الإسلامية المعاصرة المتخصصة في طباعة المصاحف وترجمات معاني القرآن"مجمع الملك فهد"بالمدينة المنورة، الذي ينشر ملايين النسخ من المصاحف، تصدر بعد مراجعة مشاهير علماء القراءات والتجويد. وكذلك وزارات الأوقاف بالدول الإسلامية، والأزهر بمصر، وغير ذلك من المؤسسات العامة والخاصة القائمة على نشر المطبوعات القرآنية بعد تدقيق مراجعتها.

واليوم نجد القرآن ـ وتفاسيره وترجمات معانيه ـ مدخلًا في أسطوانات الحاسوب، ويمكن الاطلاع عليه عبر شبكة الأنترنيت، مع الأخذ في الحسبان أن بعض المواقع، البعيدة عن إشراف المسلمين وأصحاب التخصص، تحتوي عروضها على أخطاء طباعية

الفصل الرابع

الخطاب النبوي

السنة النبوية تشمل ما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات، وهي القسم الثاني من الخطاب الديني في الإسلام، فهي الحكمة التي أنزلت مع الكتاب على الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول الله تعالى: وأنزل اللَّه عليك الكتاب والحكمة وعَلَّمَكَ ما لم تكن تعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت