فهرس الكتاب
وكان فضل اللَّه عليك عظيمًا (سورة النساء، الآية 112) . وبين الله صدق رسوله في كل ما يُبَلِّغُ، فقال تعالى: {وما ينطق عن الهوى. إنْ هو إلا وَحْيٌ يُوحَى} (سورة النجم، الآيتان 3 - 4) .
السنة النبوية
السنة النبوية تشمل عامة أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته، ودورها يتمثل في بيان: مجمل القرآن، وتفصيل بعض أحكام الشريعة التي جاءت مجملة في القرآن. وقد تأتي السنة بأحكام جديدة، فهي وحي إلى الرسول بالمعنى لا باللفظ، إلا ما كان يصدر عنه صلى الله عليه وسلم، في أمور جِبِلِّيَّةٍ كطريقة مشيه، أو اجتهادات شخصية كرأيه في تأبير النخل.
وموضوعات السنة النبوية عديدة، فمنها أوامر ونواهي تشريعية، ومنها إرشاد وتوجيه، ومنها أذكار ودعوات يتعبد بها ... إلخ. وجميع أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته هي امتداد وتوضيح للمبادئ الإسلامية المرتكزة على القرآن الكريم.
وتنقسم أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث الصياغة إلى نوعين:
الحديث القدسي: وهو الذي يرويه محمد صلى الله عليه وسلم عن ربه، وكأن المتحدث هو الله، مثل حديث: >أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إليَّ بشبرٍ تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة< (38) . وهذا النوع من الحديث ليس قرآنًا متلوًا، فالقرآن لفظًا ومعنى من عند الله، وهو المحفوظ في الصدور والمُدَوَّن بين دفتي المصحف، والمجمع على إعجازه.
والنوع الثاني من الحديث هو أقوال الرسول، عليه الصلاة والسلام، التي يبين من سياقها أن المتحدث هو الرسول نفسه.
جمع السنة وتدوينها
لم يكن الحديث يكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما كان يكتب القرآن، بل ورد النهي عن كتابته خشية أن تلتبس نصوصه بالنص القرآني. وقد روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: >لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وَحَدِّثُوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ ـ قال همام: أحسبه قال متعمدًا ـ فليتبوأ مقعده من النار< (39) .
ولكن هناك روايات تُبَيِّنُ أنه صلى الله عليه وسلم أذن لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يكتب الحديث، فقد روى الإمام البخاري عن أبي هريرة أنه كان لا يكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يحفظه، وأن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتبه (40) . كما أن أنس بن مالك كان يكتب الحديث، وكان لجابر بن عبد الله تقييد في الحج، وكان للإمام علي بن أبي طالب صحيفة ـ مدون فيها أحاديث ـ كانت في قراب سيفه (41) . وروى الدارمي أخبرنا الوليد بن شجاع حدثنا المبارك بن سعيد قال: >كان سفيان يكتب الحديث بالليل في الحائط فإذا أصبح نسخه ثم حَكَّهُ< (42) .
وهذه الأخبار وإن كانت صحيحة، إلا أنها لا تدل سوى على التدوين الجزئي للحديث، ولا تكفي للدلالة على أن السنة دُوِّنَت تدوينًا شاملًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما دُوِّنَ القرآن.
ولا يفهم من عدم تدوين الأحاديث بكاملها أنها ضاعت من ذاكرة الحُفَّاظِ في عهد الرسول والخلفاء الراشدين، بل إن جمهور الصحابة حرصوا على حفظ حديث رسول الله نصًا، وعلى استظهار ألفاظه ومعانيه، وحدَّثوا به، ولقنوه للجيل، ومن هؤلاء: أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس ... إلخ.
وفي السنوات الأخيرة من القرن الأول الهجري انطلقت حركة تدوين السنة، بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم بالإشراف على تدوين الحديث وقضاء الصحابة. ومن أشهر من قام بدور رائد في التدوين، محمد بن شهاب الزهري وصالح بن كيسان. وبدأت حركة التدوين بجمع الأحاديث وكتابتها في شبه مجامع عامة.
وفي النصف الأخير من القرن الثاني الهجري ظهرت التصنيفات. ويذكر ابن حجر (43) من أصحاب المؤلفات الأولى: الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروية البصري. وبعد ذلك صنف الإمام مالك موطأه في المدينة، ومزج جمعه للحديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين. وصنف عبد الملك بن جريح بمكة، والأوزاعي